مقالات

“المصعد” لأمين ناسور: دراماتورجيا البرزخ المعلق 

ومحاكمة الضمير في جحيم سارتري

 

د.خالد امين

 

 

كانت فرحة لا تُوصف وأنا أواكب هذا المساء العرض الأول لمسرحية “المصعد” داخل رحاب قاعة باحنيني العريقة برباط الأنوار؛ في لحظة مسرحية آسرة جسدت عمق المغامرة الجمالية والجرأة التجريبية المتجددة للمخرج أمين ناسور. فبعد أن حلّق بنا سابقاً في عوالم “نوستالجيا” مستنطقاً رحابة الفضاءات الأثرية المفتوحة وذاكرتها التاريخية الحية، يباغتنا اليوم بانعطافة فنية حادة ومحسوبة نحو حيز ركحيّ مغلق ومختنق ينبض بنَفَسٍ سارتري وجودي مكثف، يجرّد الخشبة ليضع الكائن الإنساني في مواجهة عارية مع ثقل ذنبه وعين الآخر التي لا ترحم.

يقوم العرض على معمارية دراماتورجية مركبة تجمع بين تقشف الشكل وكثافة المعنى؛ حيث تتحول الحكاية الظاهرية (عطل تقني طارئ في مصعد يجمع أربعة ركاب) إلى ذريعة بصرية وفلسفية لتشريح الذات الإنسانية عند حافات الانهيار. لا يمثل المصعد في هذا العرض مجرد ديكور أو إطار مكاني واقعي، بل يتحول إلى فاعل درامي ومفهوم فلسفي بؤري تتفرع عنه دلالات متعددة: دراماتورجياً، المصعد آلة انتقال رأسي بين مستويين (أعلى/أسفل، الصعود/الإرتقاء نحو الخلاص أو الهبوط/السقوط نحو الهاوية). حين يتعطل المصعد بين الطوابق، يُعلَّق المكان والزمان معاً؛ فلا الشخصيات قادرة على بلوغ وجهاتها (المستقبل/الحياة اليومية)، ولا هي قادرة على الرجوع إلى نقطة الانطلاق (الماضي). إنه يمثل “المطهر” أو البرزخ الفلسفي؛ منطقة رمادية معزولة عن العالم الخارجي تُلغى فيها قوانين الطبيعة المعتادة، لتُوضع الأرواح في حالة احتجاز قسري تمهيداً لحسابٍ محتوم. كما يشتغل المصعد كحيز لـ “الدراماتورجيا الميكروسكوبية”؛ فالمساحة الهندسية الضيقة تجبر الشخصيات على الاحتكاك الجسدي المفرط، مما يسقط المسافات الحميمية والاجتماعية (Proxemics). هذا الضيق المكاني يتحول تدريجياً إلى ضغط نفسي خانق؛ فالمصعد لا يسمح بالمواربة أو الهروب بالجسد أو النظرة، مما يجعل الاختناق الفيزيقي معادلاً موضوعياً للاختناق الأخلاقي وتفجر الأزمات المكتومة.

واستناداً إلى أطروحة جان بول سارتر في Huis Clos (لا مخرج)، يصبح المصعد جحيماً أرضياً لأن جدرانه العازلة تسلب الشخصيات إمكانية التواري. عين الآخر هي المحكمة، وحضوره المستمر هو العذاب. داخل هذه الكبسولة المعدنية، تتداعى المكانات الاجتماعية المزيفة (الطبيب المرموق، الممثل المتأنق، عامل التوصيل المطحون، الزوج/الأب المكلوم)؛ فالمصعد لا يعترف بالتراتبيات الطبقية، بل يساوي بين ركابه في المصير والعري الإنساني. يتسامى توظيف الجسد الممتلئ في العرض عن أي استسهال تنميطي أو مفارقة “غروتسكية” عابرة، ليرتقي إلى رهانٍ فينومينولوجي وجمالي رفيع؛ حيث يفرض الممثلون الأربعة حضوراً جسدانياً طافحاً يعيد الاعتبار لفيزيائية الممثل وقدرته الفائقة على شحن الفضاء الركحي بطاقة تعبيرية صادقة ومؤثرة. هذا الامتلاء البصري والحركي لا يملأ الحيز الهندسي للمصعد فحسب، بل يضع الكينونة البشرية في اختبارٍ حارق تُسقط فيه المسافات الاصطناعية وتتعطل معه إمكانات المواربة، ليتجرد الإنسان أمام أخيه الإنسان. وهنا تتحول كثافة الحضور إلى معادلٍ موضوعي لـ “ثقل الوجود” وهشاشة التجربة الإنسانية؛ فالجسد لا يحضر ككتلةٍ عابرة، بل ككتابٍ مفتوح وشاهدٍ حيّ على الذاكرة المثقلة بالندم، والألم، والأسرار الدفينة—وفي مقدمتها وزر الطبيب ومأساة خطيئته—ليغدو هذا الحضور الطاغي تعبيراً بليغاً عن أوزار الروح التي ينوء بها الكائن البشري، ويعجز عن مداراتها أو التخفيف منها تحت سطوة نظرة الآخر.

ينسج العرض حركته الدرامية عبر مرحلتين متداخلتين. تبدأ المسرحية كمرتجلة تتكئ على العبث والانتظار الساكن؛ انتظار عودة التيار، أو وصول النجدة، أو تصليح العطل. تتخلل هذا الانتظار حوارات متناثرة ذات طابع يومي وارتجالي تستكشف مهن الشخصيات ومفارقاتها، في إحالة واضحة إلى “في انتظار غودو”، حيث الفعل مجمد والزمن ثقيل لا يمر إلا عبر الثرثرة وتزجية الوقت. ثم ينكسر خط الانتظار العبثي فجأة ليتحول العرض إلى تراجيديا مواجهة كلاسيكية عندما تتكشف خيوط القدر: “الطبيب المحتجز هو ذاته الطبيب المخمور الذي أودى بحياة زوجة وجنين الراكب الرابع”. هنا يحدث التحول الدراماتورجي الجذري (Peripeteia)؛ حيث تنقلب الصدفة المكانية العابثة إلى ضرورة تراجيدية حتمية، وتتحول رغبة النجاة من عطل المصعد إلى رغبة مستحيلة في النجاة من قبضة العدالة والمواجهة.

يقدم العرض عبر سينوغرافيا طارق الربح ورؤية أمين ناسور دراماتورجيا بصرية تختزل الزوائد لتعظيم الدلالة. فتجريد الخشبة وتركها فارغة إلا من هيكل المصعد في المركز وأطيافه على الحواف يمنح هذا الأخير حضوراً “أيقونياً” مهيباً (Monolithic). الفراغ المحيط بالمصعد يمثل العدم أو العالم الخارجي المنفصل تماماً عن مأساة هؤلاء المحتجزين، مما يركز انتباه المتلقي في زاوية بصرية واحدة لا تشتت شحنة الصراع. والحال أن تركيز تقنية الـ Video Mapping لرضى تسولي على صورة “التفاحة” يمنح الفضاء بعداً ميثولوجياً وأخلاقياً صريحاً: التفاحة كشفرة للخطيئة الأولى والسقوط من الجنة إلى درك الأرض؛ وهي تحيل هنا مباشرة إلى سقطة الطبيب الأخلاقية وخيانته لقسم المهنة تحت تأثير الخمر. التفاحة كرمز للغواية، والهشاشة البشرية، والفساد المستتر الذي ينهش الضمير من الداخل، مما يجعل جدران المصعد شاشة تعكس الوعي الجمعي والذنب البشري المتوارث.

تتأسس القوة الدراماتورجية لعرض “المصعد” على نقل فضاء ميكانيكي بارد ومحايد من شرطه الوظيفي العابر إلى مصافّ الفضاء البيني المحتقن بالمساءلة الوجودية؛ حيث يُصهر التعليق العبثي المستلهم من بيكيت في أتون المحاكمة الوجودية السارترية الصارمة، داخل كبسولة تذوب فيها المسافات وتتهاوى الأقنعة الاجتماعية للأجساد المحتجزة. وبذلك يبلغ العرض ذروة كثافته الفلسفية ليؤكد أن أشد السجون ضيقاً وعتمة ليست تلك المسيجة بصلادة الحديد والخرسانة، بل هي شِراك الذاكرة وأثقال الذنب الدفين، لحظة تجد الذات الإنسانية نفسها عارية من كل ذرائع الإفلات، ومجبرة على التحديق في جحيم نظرة “الآخر” بوصفه مرآتها ومحكمتها الوجودية الأخيرة.

 

(صور الفنان عبد العزيز الخليلي)

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية