في التجريب المسرحي وتحولاته من الهواية إلى الاحتراف الإبداعي
رشيد بنطالب
ليست كتابة تاريخ المسرح مجرد عملية لترتيب الأسماء والعروض والتواريخ. إنها، في جوهرها، محاولة لاستعادة الأسئلة التي جعلت المسرح ممكنا في لحظة تاريخية معينة، واستعادة الأشكال الجمالية والفكرية التي اقترحها المسرحيون لمواجهة واقعهم.
ولذلك فإن تاريخ المسرح المغربي لا يمكن أن يكتمل إذا ظل يروى من مركز واحد، أو إذا اختزلت التجارب المسرحية في المدن والمؤسسات التي امتلكت حظا أوفر من التوثيق والانتشار الإعلامي. فهناك مساحات مسرحية أخرى، بعيدة عن المركز الثقافي، صنعت بدورها أسئلتها الجمالية والفكرية، وراكمت تجاربها، ودفعت بالمسرح المغربي إلى مناطق جديدة من البحث والتجريب.
ومن بين هذه المساحات تبرز الجهة الشرقية، وبشكل خاص مدينة وجدة، ثم جرادة وبركان والناظور، باعتبارها واحدة من المختبرات المهمة التي تشكلت داخلها ملامح الحداثة المسرحية المغربية.
ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: هل ساهمت الجهة الشرقية في المسرح المغربي؟
بل: لماذا لم تحظ مساهمتها، بما يكفي، بالمكانة التي تستحقها داخل الذاكرة النقدية والتاريخية للمسرح المغربي والعربي؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بنزعة جهوية أو بمحاولة صناعة أسبقية محلية، وإنما بإعادة قراءة الخريطة المسرحية المغربية على أساس تعدد مراكز إنتاج التجربة، لا على أساس مركز واحد ينتج التاريخ، وهوامش تكتفي باستقباله.
التجريب: ليس بحثا عن الغرابة بل بحثا عن طريقة أخرى لرؤية الواقع
حين نتحدث عن المسرح التجريبي، كثيرا ما ينصرف الذهن إلى الشكل: خشبة فارغة، إضاءة غير مألوفة، تفكيك الشخصية، تجاوز الحكاية، استخدام الجسد، أو الاشتغال على الفضاء والصوت والحركة باعتبارها عناصر مستقلة عن النص.
لكن التجريب المسرحي، في معناه الأعمق، لا يبدأ من الشكل.
إنه يبدأ من الشك.
الشك في اللغة المسرحية السائدة، وفي العلاقة التقليدية بين النص والممثل والجمهور، وفي الطريقة التي يقدم بها الواقع نفسه فوق الخشبة. التجريب ليس رغبة في الاختلاف من أجل الاختلاف، وإنما محاولة للعثور على صيغة أخرى لفهم الإنسان والعالم.
وبهذا المعنى يمكن القول إن:
التجريب ليس ضد الواقع، وإنما ضد الطريقة الواحدة في رؤية الواقع.
ومن هذه الزاوية تصبح التجربة المسرحية في الجهة الشرقية أكثر من مجرد سلسلة من العروض التي ظهرت في فترة زمنية معينة. إنها جزء من حركة فكرية وجمالية أوسع، كان فيها المسرحي يبحث عن لغة تمكنه من مساءلة المجتمع، والتاريخ، والعمل، والسلطة، والإنسان، والذاكرة.
ولم تكن هذه التجربة معزولة عن محيطها الاجتماعي. فقد نشأت في بيئة عرفت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وفي مدن ارتبطت بالحركة العمالية والنقابية والتعليمية والثقافية، وهو ما منح المسرح هناك مادة حية للصراع والأسئلة.
وجدة: مدينة لم تكن تستقبل المسرح فقط، بل كانت تنتجه
تكشف الكتابات التي تناولت تاريخ المسرح في وجدة عن تعدد لافت في الفرق والتجارب خلال القرن العشرين، ولا سيما منذ الستينيات والسبعينيات.
وتشير بعض الدراسات المحلية إلى حضور عدد كبير من الفرق والجمعيات، من بينها المسرح البلدي، المسرح العمالي، المسرح الطلائعي، المسرح الشعبي، مسرح الشعلة، المسرح الناشئ، الفانوس الأحمر، المشروع المسرحي، فرقة سيدي بوبكر، الكوميديا السوداء، ومسرح البلاد، وغيرها. وقد تجاوز نشاط عدد من هذه الفرق حدود المدينة، وشارك في تظاهرات وطنية وعربية.
هذه الكثافة ليست تفصيلا عابرا.
فحين تظهر في مدينة واحدة، خلال فترة زمنية محدودة، مدارس واتجاهات وفرق متعددة، فهذا يعني أن الأمر يتجاوز وجود بعض الفنانين إلى تشكل بيئة مسرحية حقيقية.
والبيئة المسرحية لا تصنعها العروض وحدها.
إنها تتكون من الممثل، والمخرج، والكاتب، والناقد، والجمهور، والفضاء، والجمعية، والمدرسة، والنقابة، والجامعة، والصحافة، والذاكرة، وكل ما يجعل المسرح ممارسة اجتماعية مستمرة.
وهذا تحديدا ما يجعل تجربة وجدة جديرة بإعادة القراءة.
“المسرح العمالي“: حين يصبح المسرح مختبرا للنقد والشهادة
في قلب هذه التجربة تبرز جمعية المسرح العمالي، التي تأسست بوجدة في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تعرف انطلاقتها الفنية الأبرز خلال السبعينيات مع محمد مسكين ويحيى بودلال ومجموعة من المسرحيين الذين شكلوا نواة تجربة ذات خصوصية واضحة.
وهنا يظهر اسمان يصعب تجاوزهما عند الحديث عن مسرح الجهة الشرقية: الكاتب والمنظر محمد مسكين، والمخرج يحيى بودلال.
لم يكن مسكين ينظر إلى المسرح باعتباره مجرد حكاية تقدم فوق الخشبة، بل اشتغل على مفهوم أطلق عليه “مسرح النقد والشهادة”، وهو تصور يجعل المسرح فعلا للكشف والمساءلة والشهادة على الحاضر، مع الانفتاح على إمكانية استشراف مستقبل آخر.
وقد ارتبط هذا التصور بوعي حاد بالعلاقة بين المسرح والواقع، لكنه لم يكن واقعية تسجيلية أو نقلا فوتوغرافيا للحياة اليومية. فالمسرح، في هذا التصور، ينطلق من الواقع لكي يعيد تركيبه وتأويله وفضحه، ثم يدفعه نحو فضاء تخييلي يسمح برؤيته من زاوية جديدة. وقد ربطت قراءات لاحقة تجربة مسكين بهذا البعد النقدي والشهاداتي.
وهنا بالضبط تكمن قيمة التجربة.
فالمسرح لا يكتفي بأن يقول: “هذا هو الواقع”.
بل يسأل:
- لماذا أصبح الواقع على هذه الصورة؟
- ومن يملك حق روايته؟
- ومن يغيب عنه؟
- وهل يمكن أن يكون الواقع نفسه مختلفا؟
يحيى بودلال: المخرج الذي جعل الفكر مرئيا
إذا كان محمد مسكين قد منح التجربة جهازها الفكري والنظري، فإن يحيى بودلال كان أحد الذين منحوا ذلك الفكر جسدا مسرحيا.
وتشير الكتابات التي تناولت تجربته إلى أنه اشتغل طويلا مع مسكين، وأن عروض المسرح العمالي ارتبطت باسمه مخرجا، وبقدرة واضحة على بناء فرجة ذات أبعاد بصرية وحركية. كما وصفته بعض الكتابات المسرحية العربية باعتباره من الوجوه المهمة في المسرح المغربي والعربي خلال تلك المرحلة.
وتكشف قائمة الأعمال المرتبطة بالمسرح العمالي عن مشروع مسرحي متنوع، من بينها:
- “عاشور”،
- “اصبر يا أيوب”،
- “نيرون السفير المتجول”،
- “تراجيديا السيف الخشبي”،
- “امرأة قميص وزغاريد”،
ثم لاحقا “الهجهوج”، إلى جانب أعمال أخرى.
والمهم هنا ليس تعداد العناوين بقدر ما هو الانتباه إلى المسار الجمالي الذي تكشف عنه.
فنحن أمام تجربة لم تكن ترى النص نقطة وصول، بل نقطة انطلاق.
فالنص يتحول إلى جسد، والجسد إلى حركة، والحركة إلى إيقاع، والإيقاع إلى صورة، والصورة إلى موقف.
وهنا يصبح المخرج، في معناه الحقيقي، ليس منفذا للنص وإنما شريكا في إنتاج معناه.
“تراجيديا السيف الخشبي”: من النص إلى المسرح الملحمي
تقدم “تراجيديا السيف الخشبي” نموذجا دالا على طبيعة هذا الاشتغال.
فقد كتبها محمد مسكين وأخرجها يحيى بودلال، وقرئت لاحقا بوصفها عملا ذا بنية ملحمية بريختية، مفتوح الدلالة على أحداث الواقع العربي وأسئلته.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تكشف أن المسرح الشرقي لم يكن خارج النقاشات الجمالية التي كانت تشغل المسرح العربي في تلك المرحلة.
فالمسألة لم تكن فقط في تقديم نص مغربي، وإنما في البحث عن أدوات مسرحية قادرة على مساءلة الواقع من خلال التباعد، والسرد، وكسر الإيهام، وتحويل المتفرج من متلق سلبي إلى طرف في عملية التفكير.
وهذا هو جوهر التجريب.
إن التجريب لا يعني أن تصبح الخشبة غريبة عن الجمهور، بل أن يصبح الجمهور أكثر وعيا بما يرى.
“اصبر يا أيوب”: حين خرجت التجربة من وجدة إلى الفضاء العربي
من العلامات المهمة في تاريخ هذه التجربة عرض “اصبر يا أيوب” في سوريا سنة 1981.
وقد سجلت مصادر محلية أن العرض لقي تقديرا نقديا، وأن الناقد نادر الأصفهاني تحدث بإعجاب عن نجاحه في المزج بين الملحمة والاحتفالية.
هذه الواقعة لها دلالة تتجاوز قيمة الجائزة أو الإشادة النقدية.
فالفرقة التي خرجت من وجدة لم تذهب إلى الفضاء العربي باعتبارها فرقة “هواة” بالمعنى الذي يوحي بالهامشية أو نقص الخبرة.
لقد ذهبت وهي تحمل تجربة لها لغتها وأسئلتها.
وهنا ينبغي التوقف عند مصطلح “الهواية”.
فإذا كان المصطلح يدل إداريا على وضعية معينة، فإنه لا ينبغي أن يتحول نقديا إلى حكم على القيمة الفنية.
لقد كان المسرح المغربي في السبعينيات والثمانينيات مليئا بتجارب يمكن وصفها إداريا بأنها تجارب هواة، لكنها كانت في الممارسة شديدة الانضباط، عالية الطموح، واعية بأدواتها، ومتصلة بما كان يجري في المسرح العربي والعالمي.
إنها، بتعبير أدق، احترافية إبداعية خارج الإطار المؤسساتي للاحتراف.
وهذا التمييز ضروري لفهم تاريخ المسرح المغربي.
المسرح البلدي والطلائعي والشعبي: تعدد المختبرات
لم يكن المسرح العمالي وحده.
فإلى جانبه ظهرت تجارب أخرى، من بينها المسرح البلدي المرتبط باسم بنيحي العزاوي، والمسرح الطلائعي المرتبط بعمر درويش، والمسرح الشعبي، وتجارب أخرى اتخذت من وجدة ومدن الجهة فضاء لاختبار أشكال مختلفة من التعبير المسرحي.
وتقدم تجربة عمر درويش مثالا آخر على هذا التعدد؛ فقد ارتبط اسمه بالتشخيص والإخراج والسينوغرافيا والتكوين، كما أسس جمعية المسرح الطلائعي التي شاركت في عدد من التظاهرات وحصلت على جوائز وحققت حضورا داخل المنطقة وخارجها.
وهذا التعدد مهم لأنه يمنعنا من اختزال تاريخ المسرح الشرقي في شخص أو فرقة واحدة.
إن القيمة الحقيقية للتجربة تكمن في تعدد الأصوات.
فإذا كان المسرح العمالي قد اشتغل على النقد والشهادة، فإن تجارب أخرى بحثت في الكوميديا، والاحتفالية، والمسرح الشعبي، والمسرح التجريبي، والتكوين، والسينوغرافيا، وغيرها.
ومن هنا يمكن الحديث عن “مشهد مسرحي” وليس مجرد “تجارب منفردة”.
جرادة: المدينة التي دخل فيها العمل إلى قلب المسرح
لا يمكن فهم المسرح في الجهة الشرقية من دون استحضار جرادة.
فالمدينة المنجمية لم تكن مجرد خلفية اجتماعية، بل كانت جزءا من المادة الحية التي تشكلت منها المخيلة المسرحية في المنطقة.
إن حضور العامل والمنجم والاحتجاج والتحول الاجتماعي في المسرح الشرقي لم يكن اختيارا جماليا منفصلا عن الواقع، بل كان انعكاسا لطبيعة البيئة التي نشأ فيها الفنانون.
وهنا تلتقي التجربة المسرحية مع إحدى أهم وظائف المسرح: تحويل التجربة الاجتماعية إلى سؤال جمالي.
ليس المطلوب أن يصبح المسرح منشورا سياسيا أو وثيقة اجتماعية.
المطلوب أن يجعل الإنسان يرى واقعه بطريقة لم يكن قادرا على رؤيتها قبل دخول القاعة.
وهذا أحد أسرار قوة التجارب التي نشأت في محيط جرادة ووجدة.
الناظور وبركان وبقية الجهة: اتساع الخريطة
إذا كانت وجدة قد شكلت أحد أهم المراكز التاريخية، فإن المسرح في الجهة الشرقية لم يكن محصورا فيها.
لقد شهدت الناظور وبركان وجرادة وغيرها تجارب وجمعيات وفرق وفاعلين، واستمر هذا الحضور في أجيال لاحقة.
وتظهر المعطيات الحديثة استمرار النشاط المسرحي في المنطقة من خلال فرق من الناظور وبركان وجرادة ووجدة، قدمت أعمالا مختلفة ضمن برامج وطنية لدعم الجولات المسرحية.
وهذا الاستمرار مهم في حد ذاته.
فالتاريخ المسرحي ليس فقط ما حدث في السبعينيات والثمانينيات.
إن قيمة الماضي تظهر أيضا في قدرته على خلق ذاكرة تستمر في إنتاج أجيال جديدة.
مصطفى الرمضاني: من الممارسة إلى كتابة الذاكرة
من أهم ما يميز التجربة الشرقية أيضا أنها لم تكتف بإنتاج المسرح، بل أنتجت محاولات لتوثيق تاريخه.
وفي هذا السياق يكتسب عمل الباحث والمسرحي مصطفى الرمضاني أهمية خاصة، ولا سيما كتابه “الحركة المسرحية بوجدة من التأسيس إلى الحداثة”، الصادر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة سنة 1996. وتؤكد الفهارس الأكاديمية وجود الكتاب ضمن المجموعات الجامعية والمكتبات المغربية المتخصصة.
إن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في موضوعه، وإنما في كونه يؤكد أن الحركة المسرحية المحلية يمكن أن تصبح موضوعا للبحث العلمي، وأن الذاكرة المسرحية الجهوية ليست مادة ثانوية.
بل ربما تكون، في بعض الحالات، أكثر قدرة على كشف التفاصيل التي تضيع عندما يكتب التاريخ من المركز.
ومن أعمال الرمضاني أيضا “بيبليوغرافيا المسرح المغربي”، بما يعكس اهتماما واضحا بتحويل الذاكرة المسرحية إلى مادة قابلة للفهرسة والبحث.
المشكلة ليست في غياب التجربة، بل في غياب التوثيق الكافي
ربما تكون هذه هي المسألة الأكثر إلحاحا اليوم.
فالكثير من التجارب المسرحية في الجهة الشرقية كانت موجودة، لكنها لم تحفظ دائما بالقدر الكافي.
- ضاعت ملصقات.
- واختفت صور.
- وتلفت تسجيلات.
- وتبعثرت نصوص.
- ورحل فنانون دون أن تسجل شهاداتهم.
- وتحولت ذاكرة عروض كاملة إلى روايات شفوية تتناقلها الأجيال.
وهكذا يمكن أن يحدث paradox غريب:
أن تكون التجربة قوية، لكن حضورها في التاريخ ضعيف.
وهنا لا يصبح النقص في التوثيق مجرد مشكلة أرشيفية، بل مشكلة في كتابة تاريخ المسرح نفسه.
لأن ما لا يوثق يصبح قابلا للنسيان.
وما ينسى لا يدخل بسهولة في الذاكرة الجماعية.
هل كانت الجهة الشرقية هامشا؟
ربما ينبغي إعادة صياغة السؤال.
فالجهة الشرقية كانت جغرافيا بعيدة عن بعض مراكز القرار الثقافي، لكنها لم تكن بالضرورة هامشا إبداعيا.
بل يمكن النظر إليها باعتبارها أحد المختبرات التي أنتجت أسئلة الحداثة المسرحية المغربية.
إنها منطقة حدودية بالمعنى الجغرافي، لكنها لم تكن بالضرورة حدودية في الخيال.
فالموقع الجغرافي نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر حساسية جمالية خاصة.
الحدود تجعل الإنسان أكثر وعيا بفكرة الانتماء والعبور والآخر والذاكرة.
والمدينة التي تعيش قرب الحدود تعرف أن الواقع ليس مغلقا، وأن الهوية نفسها قابلة للسؤال.
وهذا ما يجعل التجربة الشرقية قابلة للقراءة اليوم من زاوية جديدة.
لا باعتبارها “مسرح الهامش”، بل باعتبارها مسرحا نشأ في منطقة كان عليها أن تصنع مركزها الثقافي بنفسها.
نحو إعادة كتابة الخريطة المسرحية المغربية
إن إعادة الاعتبار إلى المسرح في الجهة الشرقية لا تعني وضعه في مواجهة المسرح المغربي في الرباط أو الدار البيضاء أو فاس أو مراكش.
التاريخ الثقافي لا يحتاج إلى صراع بين المراكز.
ما يحتاجه هو الاعتراف بتعددها.
فالمسرح المغربي لم تصنعه مدينة واحدة.
صنعته تراكمات وتجارب ومسارات متقاطعة، بعضها ظهر في المؤسسات، وبعضها في الجمعيات، وبعضها في النقابات والحركة العمالية، وبعضها في الجامعة، وبعضها في فضاءات ثقافية بسيطة، وبعضها خرج من مدن بعيدة عن المركز.
وفي هذا التعدد تحديدا تكمن قوة التجربة المغربية.
والجهة الشرقية واحدة من هذه الصفحات التي تحتاج إلى أن تقرأ من جديد.
من الذاكرة إلى المستقبل
ربما حان الوقت اليوم لإنجاز مشروع وطني أو جهوي حقيقي لتوثيق الذاكرة المسرحية للجهة الشرقية.
مشروع يجمع النصوص المسرحية، والملصقات، والصور، والتسجيلات، والبرامج، والشهادات الصحفية، والجوائز، والمراسلات، وشهادات الفنانين، وشهادات الجمهور، وكل ما يمكن أن يعيد بناء تاريخ تلك المرحلة.
والأهم أن لا يكون هذا المشروع مجرد أرشيف للماضي.
بل أن يتحول إلى مادة بحثية للأجيال الجديدة.
فالذاكرة لا تعني العودة إلى الوراء.
إنها طريقة لفهم الطريق الذي قطعناه، ومعرفة الأسئلة التي لم تنته بعد.
لقد كان المسرح في وجدة وجرادة وبركان والناظور أكثر من عروض قدمت وانتهت.
كان تجربة في التفكير.
كان محاولة لبناء لغة.
كان بحثا عن الإنسان وسط التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وكان، في كثير من لحظاته، نوعا من المقاومة الجمالية للنمط الواحد في النظر إلى العالم.
لهذا فإن الجهة الشرقية لم تكن هامشا في تاريخ المسرح المغربي.
- كانت رافدا.
- وكانت مختبرا.
- وكانت مدرسة.
- وكانت فضاء للتجريب.
وإذا كان التاريخ قد ظلم بعض هذه التجارب بالصمت أو النسيان، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نبكي على ما ضاع، وإنما أن نعيد بناء الذاكرة بما يكفي لكي يصبح ما بقي منها قادرا على إنتاج المستقبل.
فالمسرح الذي لا يحفظ ذاكرته، معرض لأن يعيد اختراع نفسه كل مرة من الصفر.
أما المسرح الذي يعرف من أين جاء، فإنه يستطيع أن يسأل، بثقة أكبر:
إلى أين يريد أن يذهب؟

