مجيد عبدالواحد النجار
لو عملنا ببلوغرافيا ثقافية لأحّياء محافظة البصرة الإدارية، ومن ثم عملنا دراسة مقارنة بينهما، لوجدنا ان هذه الأحّياء قد غذت المدينة بأنهر من رجالات الثقافة والفن، ولرأينا كذلك التنافس العالي فيما بينها في الادب والفن من فترة طويلة، فتلك الأحّياء ومن خلال فنانيها ومبدعيها كانت تقيم المهرجانات والندوات فيما بينها من خلال الفرق المسرحية التي تأسست دون الحاجة الى دعم أي جهة أخرى، كانت تلك الفرق تعتمد اعتمادا كليا في انتاجها على نفقتها الخاصة، وهذه كانت ميزتها التي منحتها مكانة كبيرة بين الأحّياء الاخرى مثل(الجمهورية/الفيصلية، والتميمية، والسيمر، ونظران، والقشلة….) وغرست غابات من الفنانين (مسرحيين وسينمائيين والتشكيليين) وكذلك ادباء (شعراء، وقصاصين، وروائيين، ونقاد)، غطوا سماء البصرة والعراق بنتاجاتهم الثقافية والفنية، وكانت لهم الريادة في العطاء والتأسيس.
هذه الوحدات الادارية الصغيرة انجبت للبصرة فنانين رسموا خريطة البصرة الفنية، مسرحيا وسينمائيا، وهنا ليس بصدد عمل ببلوغرافيا الى الفنانين الذين اولدتهم هذه المناطق الشعبية الجميلة، لكني بصدد الحديث عن أحد رواد الفن المسرحي، الذي كان له اسما كبيرا في سماء الفن البصري.
في محلة القشلة التابعة لمحافظة البصرة وبتاريخ 12/1/1953 ، ولد كامل لعيبي وادي عيال الأزرقي، ولذي تحدث لنا عن مسقط راسه بالقول: القشلة لها اسمين، الرسمي في سجلات الدولة اسمها (القشلة) اما اسمها الشعبي (الرواسه)، وهي منطقة سكنية شعبية، فيها بعض المحلات التجارية ويسكنها عوائل متوسطة الحال، ويمتاز هذا الحي بالعشائرية، فكل خمسة، او ست بيوت يمثلون عشيرة، كما برزت فيها بعض الشخصيات، منهم شخصية(حنتاو) وهو عسكري مكلف لكنه (شقاوة) والشخصيات الأخرى هم أسماء تجار بارزين في البصرة؛ منهم( صالح الكرناوي، ومهدي الجزراوي) كانت بيوت الحي بسيطة وقد شيدت من القصب والطين.
توفي والد الفنان الازرقي وهو في عمر ثلاث سنوات وقد تحملت والدته مسؤولية تنشأته، حيث كانت تدير محل لبيع للحبوب(الحنطة، والذرة….)، عندما اصبح عمر الازرقي ثلاث عشر سنة، ولعدم رغبت الام باختلاط ولدها بشاب الحي خوفا عليه من الانزلاق في أمور تسيء للعائلة، قسمت محل الحبوب الى نصفين، النصف الأول لها والنصف الثاني اثثته بمواد لكي الملابس، ليكون ابنها مجاور لها طول اليوم، وتتمكن من مراقبته وتعلمه صنعة من الممكن ان تفيده في حياته اليومية، هكذا كانت تفكر الام بدافع الحرص والمحبة، ولكونها تحس انها اخذت مكان الام والأب معا.
يقول كامل: “بدأت العمل في (الدكان) واشغل نفس في (كي) الملابس، وكنت اقسم وقتي بينه وبين دراستي، حيث كنت دخلت في حينها مدرسة المربد الابتدائية، وكنت اشغل نفس كذلك بعمل مشاهد صغيرة لم تعرض هذه المشاهد في أي مكان، بل كانت للتسلية بيني وبين زملائي، وأحيانا في البيت استمتع بها لوحدي، وأحيانا اعرضها امام العائلة.
انتقلت بعدها للدراسة في متوسطة المربد، وهنا تعرفت عل مدرس اسمه (جبار صبري العطية) مدرس الرسم، هكذا يقول المعتوق، فكان يرسل في طلبي (الفراش)- عامل الخدمة – في الفرصة، لأنه كان يجد بي انني سأصبح في المستقبل فنان، بعد ان شاهدني وانا امثل امام زملائي مشاهد كوميدية، والتي لا اعرف عن اصلها شيء، ولا اعرف ماذا كنت اقدم، وماذا أقول، بل كنت ارتجل المشاهد اثناء تجمعنا في ساحة المدرسة، فكان ينصحني ويقول لي كلام لم أتمكن من فهم كله، بل المهم كنت استمع اليه جيدا واوعده انني سوف اسير على توجيهاته هذه، والان أتذكر جيدا كان يحثني عن التمثيل، ويقول ان لي شأن في المستقبل، وان علي ان اتابع أفلام ومسلسلات في التلفزيون لكي اتعلم التمثيل جيدا”.
في القشلة تعرف الازرقي على محمد وهيب المهتم بالمسرح والذي كان موظفا في النشاط المدرسي التابع الى تربية محافظ البصرة، وتعرف أيضا على صالح الشويلي المهتم بالمسرح هو الاخر، تجمع الشباب بجوار محله، حيث كان بعض الشباب يجتمعون عنده، وهو مشغولا في كي الملابس التي من المفروض ان يسلمها الى أهلها حسب المواعيد، وحتى يكون متفرغا للدراسة بعد الانتهاء منها، او لأشغال نفسه في أمور أخرى، كان الشباب المجتمعين يخوضون في الكثير من المواضيع الانية والمستقبلية، ومنها الحديث عن المسرح، الذي كان يشغله كثيرا لدرجة انه يترك عمله ويتفرغ للاستماع للمتحدثين عنه.
عمل كامل المعتوق في النجارة أيضا في سوق القشلة مع الاسطة سيد علي النجار، وتعلم هنا الكثير عن النجارة، وامتهنها فيما بعد، حيث اخذ من مقدمة(دكانه) مكانا لتصليح الأثاث المنزلية، كان المعتوق فرحا بعمل النجارة كثيرا كونه قريب محل نجارة اخر تعرف عليه فيما بعد انه لوالد أستاذ محمد وهيب، وهذا المحل يكون هو الاخر ملتقى يجتمع فيه الشباب المهتمين في المسرح بوجود الوهيب، كان يلتقي معهم ويشاركهم الحديث في بعض الأوقات، وهنا أيضا تقرب اكثر من الأستاذ صالح الشويلي الذي كان من ضمن المواظبين على الحضور هنا بوجود الوهيب.
هذا التقرب من الشويلي افاد الازرقي بان عرفة على (سليم الشذر) وهو خريج تجارة، ويعطي محاضرات لتعليم الطلبة في بعض الاوقات، وكان الشذر يلتقي في أوقات أخرى وتحديدا في المساء في الشباب المحب للمسرح ويعلمهم اصول وقواعد المسرح، ولا ينسى الشذر ان يحدثهم كذلك عن إمكانية تطور القدرات للفنان.
“عام 1972 قدمنا عملا مسرحيا شعبيا وهذا العمل يعد ثمرة القاء بالأستاذ الشذر، حنها كنت طالب في الثاني متوسط، وبعد ان اكتمل العمل، ظهرت لنا مشكلة مكان العرض، حيث لا يوجد لدينا مسرح في الحي، او مسرح قريب من اجل حضور أبناء الحي، فبدا الجميع بالبحث عن مكان مناسب بإمكان الجمهور الوصول اليه دون عناء، وبعد عناء طويل اقترح علينا احد الاصدقاء بان يكون العرض داخل عرصة(قطعة ارض مهجورة) لاحد ابناء المنطقة، وعدنا للبحث مرة ثانية عن صاحب هذه العرصة المسيجة وقد احكم بابها بقفل متين، وبعد أيام تمكنا من الوصول الى الشخص المعني واستلمتنا المفتاح بعد موافقته على ان نستغلها في عرض مسرحي، ومن حسن حظنا ان العرصة قريبة من بعض المحلات التي كان يشغلها اناس من الطائفة الصابئية، والذين قدموا لنا المساعدة عندما عرفوا بتقديمنا لعرض مسرحي.
في اليوم التالي وبعد ان استطلعنا العرصة وعرفنا احتياجاتها ذهبنا جميعا لتنظيف هذه الأرض من الاوساخ والحشائش التي نبتت فيها لكونها متروكة من فترة طويلة، جهزنا المكان بما يحتاجه من مساحة العرض وستار للمسرح واجرنا كراسي للجمهور، وطبع كل هذا من نفقتنا الخاصة، وطبعا من اجل ان نجهز المكان بما يستلزم عملنا جمعية بيننا واقترحنا ان يتبرع كل منا بـ(دينار)، بعدها وجهنا دعوات الى أبناء المنطقة وكذلك كان من المهم ان نوجه دعوة خاصة للأستاذ محمد وهيب لكون صاحب خبرة، وممكن الاستفادة من اراءه، كانت فكرة العرض اجتماعية تتحدث عن احدى عوائل المجتمع الفقيرة، وكنت يقول الازرقي العب دور الام، بعد ان استعرت ملابس الشخصية من والدتي، وكان معي صديقي عبدالله، من الحي الذي اسكن فيه، وقد كان اقبال الجمهور على العرض كبيرا وكان الجميع راضا ومستمتعا به، بعد انتهاء العرض وجه لي الاستاذ محمد وهيب دعوة لحضور بروفات مسرحية كانت مقامة في قاعة التربية(عتبة ابن غزوان حاليا) .
في اليوم التالي عصرا استأذنت من والدتي بعد ان اخبرتها بوجهتي واهمية الشخص الذي دعاني للحضور وافقت على الفور ودعت لي بالتوفيق، ذهبت الى قاعة التربية، وواجهت صعوبة بالدخول بسبب شدة حارسها (حاج سامي) وحرصه على القاعة والمتواجدين فيها، بعد انتهاء البروفات طلب مني الوهيب ان احضر في اليوم الثاني وان اجلب معي شابين لغرض اشراكهم في العمل الذي كان يجري تمارين له.
رجعت الى البيت فرحا وأفكر في اليوم الذي سوف اعمل فيه مع هذا المخرج، ولكني في نفس الوقت كنت خائفا لقلة خبرتي في المسرح، فكيف أقف امام الممثلين المحترفين الذين رايتهم على خشبة المسرح وهم يؤدون ادوارهم ببراعة كبيرة، حاولت ان استذكر نصائح استاذي جبار داوود العطية، وتوجيهات الأستاذ سليم الشذر من اجل ان اهون على نفسي عند لقاء الممثلين يوم غد، وفي الأخير اقنعت نفسي ان المخرج شاهدني في العمل الشعبي الذي تم عرضه في العرصة وهو يعرف امكانياتي وسوف يعطيني توجيهات هو الاخر.
في اليوم التالي وانا جالس في محل والدتي افكر ممن سوف اصحبه معي واذا بصديق الطفولة محمود عبدالعباس(محمود ابوالعباس) امامي، لم انتظر كثيرا؛ طرحت عليه فكرة أستاذ محمد وهيب وعرضت عليه ان يأتي معي للعمل سوية، وبعد ان اخذ موافقة اخيه ذهبنا سوية الى الاستاذ محمد وهيب، وكان يخرج عمل ( اوديب انت الذي قتلت الوحش) تأليف علي سالم اعداد شاكر العطار، فجلسنا في القاعة لمشاهدة البروفات، واستمتعنا بتمثيل الفنان فيصل حسن، والفنان اسعد عبدالرزاق، في الاستراحة سألني الأستاذ اسعد عبد الحسين ان كنت اجيد عمل ما، فأجبته انني نجار وتحدثت له عما أقوم به من عمل النجارة في الحي الذي اسكنه، ففرح بي كثيرا وقال لي جئت في الوقت المناسب، حيث كان الأستاذ اسعد هو من ينفذ عمل الديكور للمسرحية، فطلب مني ان أكون مساعدا له، ففرحت كثيرا بهذه العمل وفرحت اكثر انني سأكون دائما بجوار ممثلا معروف، اعجب الأستاذ اسعد بعملي كوني مهني واعرف اتعامل مع أدوات النجارة، فمن خلال العمل في الديكور منحوني فرصة أخرى بان نسبوا لي شخصية(روجر)، نعم انها شخصية بسيطة ولكن التجربة كانت مهمة وكبيرة بالنسبة لي فحاولت ان امسكها بقوة واقدمها من اجل إرضاء المسؤولين في العمل طمعا بالحصول على فرصة ثانية في عمل اخر، ولكثرة تمسكي بإمكانية اقناع الاخرين، كانت الشخصية التي العبها تقتل بعد ان يهجم عليها الوحش وتسقط من على المنصة المرتفعة التي اقف عليها، وهو المشهد الأخير في العمل، ويخرج الممثلون لتحية الجمهور وانا لا زلت ممددا على خشبة المسرح، وطلب مني احد الممثلين ان اقف لتحية الجمهور فاعتذرت بسبب إصابتي حيث واثناء سقوطي دخل(مسمار) في قدمي، لكني تحملت الألم لحين الانتهاء من العرض دون ان يعلم بي احد.
هذا العمل كان فاتحة خير لي، حيث دعاني بعدها المخرج محد البياتي للعمل معه في مسرحية (الدكتور هاملت) بعد ان شاهدني في مسرحية (اوديب انت الي قتلت الوحش) والتي عرضت لمدة يومين، فلعبت في المسرحية شخصية (الدكتور) العمل كان من انتاج مديرية النشاط المدرسي لصالح اعدادية المعقل للبنات، وتم عرضها بنفس قاعة المدرسة.
بعدها عملت مع فرقة التربية، وقد تبناني الأستاذ اسعد عبد الحسين الذي بقيت اعمل معه أكثر الاعمال المسرحية التي انتجتها مديرية النشاط المدرسي، ممثلا او منفذا للديكور ومنها مسرحية(الحصار)، لمحمد وهيب”.
يتبع……


