حيدر خلف محمد
قراءة نقدية في رواية “الناقوس الزجاجي” لسيلفيا بلاث ..جلسة نادي القراءة – مؤسسة قنطرة الثقافية
ادارة الجلسة الاستاذة تمارا العطية
تعد رواية الناقوس الزجاجي للكاتبة والشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث من الروايات التي تفتح أسئلتها على منطقة شديدة الحساسية من التجربة الإنسانية. منطقة البحث عن المعنى، وأزمة الهوية، والعجز عن الانسجام مع عالم يبدو للإنسان من الخارج واضحاً بينما يزداد في داخله غموضاً واغتراباً. وإذا افترضنا التقارب بين حياة الكاتبة سيلفيا بلاث وحياة بطلة الرواية إستر غرينوود فإننا نجد أن الشخصيتين تشتركان في عدد من الأحداث والتجارب النفسية الأمر الذي يجعل الرواية تقترب من السيرة الذاتية وإن جاءت في قالب روائي تتداخل فيه التجربة الشخصية مع البناء الفني.
الناقوس الزجاجي: عالم يفصل الإنسان عن العالم
يحمل عنوان الرواية الناقوس الزجاجي دلالات مركبة ومحملاً بصور رمزية ذات أبعاد نفسية وفكرية. فمنذ البداية يحيلنا السرد إلى عالمين منفصلين بجدار زجاجي عالم ترى فيه إستر تفاصيل الحياة من حولها لكنها لا تستطيع التكيف معه أو الاندماج فيه.
فالزجاج يسمح بالرؤية لكنه يمنع التواصل وإستر ليست منفصلة عن العالم لأنها لا تراه بل لأنها تراه ولا تستطيع أن تكون جزءاً منه. وهنا يتحول الناقوس الزجاجي إلى صورة للاغتراب النفسي فضاء شفاف يحاصر الإنسان يجعله قريبا من الأشياء وقادرا على مراقبتها لكنه عاجز عن لمسها أو المشاركة الفعلية فيها. ومن هنا لا يعود الناقوس مجرد رمز للمرض النفسي بل يصبح صورة لحالة وجودية يعيشها الإنسان عندما يفقد صلته بذاته وبالعالم من حوله.

أزمة الهوية وغياب المركزيات
تطرح الرواية مجموعة من المشكلات الاجتماعية والفكرية التي تلقي بظلالها على شخصية إستر ويمكن مقاربتها من زاوية نقدية مع الإرهاصات التي ستتبلور لاحقاً بصورة أوضح في خطاب ما بعد الحداثة، ولا سيما فكرة غياب المركزيات وثبات الهوية الواحدة. وعلى الرغم من أن الرواية صدرت عام 1963، فإنها تكشف مبكراً عن أسئلة ستصبح أكثر حضورا في الفكر اللاحق: من أنا؟ ماذا أريد؟ وما المعنى الذي يمكن أن يمنح حياتي اتجاهًا؟
إستر شابة ذكية وموهوبة لكنها تجد نفسها أمام خيارات تبدو متعارضة:هل تصبح كاتبة؟هل تصبح زوجة وأما؟
هل تختار حياة مستقلة؟
المشكلة لا تكمن في تعدد الخيارات وحده وإنما في شعورها بأن كل اختيار يفرض عليها التخلي عن جزء من ذاتها وهنا تتحول الحرية من فرصة إلى عبء ويتحول تعدد الاحتمالات إلى حالة من الضياع. إنها لا تبحث فقط عن وظيفة أو علاقة أو مستقبل، وإنما تبحث عن هوية تستطيع أن تسكنها دون أن تشعر بأنها تخون ذاتها.
من فقدان الهوية إلى فقدان المعنى
إن أسئلة إستر تقودنا إلى طروحات عالم النفس فيكتور فرانكل ولا سيما في كتابه عن العلاج بالمعنى فالإنسان وفق رؤيته لا يستطيع أن يعيش بمجرد إشباع حاجاته وإنما يحتاج إلى معنى يمنح وجوده اتجاها وسببا للاستمرار.
ومن هنا يمكن قراءة أزمة إستر بوصفها أزمة معنى قبل أن تكون أزمة مستقبل. فمع مرور الوقت تتفاقم حالتها النفسيه فتفقد قدرتها على الدراسة والكتابة والعمل وتصبح الأشياء التي كانت تمنحها المتعة عاجزة عن منحها المعنى تنسحب من العالم تدريجياً وتتسع المسافة بينها وبين الآخرين حتى يتحول الاغتراب من حالة اجتماعية إلى اغتراب عن الذات نفسها وهنا تكمن خطورة الفراغ الوجودي فالإنسان عندما يفقد السبب الذي يجعله يستيقظ كل صباح قد لا يفقد نشاطه فحسب بل قد يفقد رغبته في الحياة نفسها.

الانتحار بوصفه أقصى درجات الفراغ
يقودنا هذا الفراغ إلى واحدة من أكثر المناطق قتامة في الرواية التفكير في الانتحار.
فالانتحار هنا لا ينبغي أن يقرأ بوصفه حدثا منفصلا عن السياق النفسي للرواية بل بوصفه نتيجة قصوى لتراكم العزلة والاغتراب وفقدان المعنى وحين لا يعود الإنسان قادراً على رؤية المستقبل بوصفه احتمالاً ولا الحاضر بوصفه قيمة يصبح الموت في وعيه محاولة للخلاص من عالم لم يعد يجد فيه مكانًا لنفسه. تلتقي تجربة إستر بتجربة سيلفيا بلاث نفسها في مستوى مأساوي إذ تتقاطع حياة الكاتبة مع بطلة الرواية في عدد من التفاصيل والتجارب وصولاً إلى الانتحار الذي أصبح جزءاً من السيرة المأساوية لبلاث.
الناقوس الزجاجي: صورة تتكرر في كل عصر
ربما تكمن قوة الناقوس الزجاجي في أن أزمتها لا تنتمي إلى زمن محدد فهي وإن كتبت في سياق اجتماعي وثقافي معين فإن سؤالها الأساسي يبقى مفتوحاً: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد الإحساس بمعنى حياته؟
إن أزمة إستر يمكن أن تكون أزمة كل إنسان يجد نفسه أمام عالم تتراجع فيه المركزيات وتتعدد فيه الخيارات وتتغير فيه الهويات دون أن يمتلك بالضرورة مركزا داخليا يستند إليه. بالتالي يمكن النظر إلى الرواية بوصفها صورة سيكولوجية تتكرر في كل عصر عندما يضعف الإحساس بالمعنى وتتصاعد أزمة تحديد الهوية ويتحول الإنسان إلى مراقب لحياته بدل أن يكون فاعلا فيها. فالناقوس الزجاجي ليس جدارا شفافاً يحاصر إستر وحدها إنه استعارة لحالة إنسانية قد يجد الإنسان نفسه داخلها عندما يصبح العالم مرئيا أمامه لكنه يفقد القدرة على الشعور بأنه ينتمي إليه.

وعليه ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف نخرج من الناقوس الزجاجي؟ انما : كيف نصنع معنى يجعل وجودنا جديرا بأن يعاش؟
اذ تلتقي الرواية مع فرانكل في نقطة جوهرية: أن الإنسان لا يحتاج إلى معنى واحد جاهز بقدر حاجته إلى أن يجد أو يصنع معنى خاصا لوجوده.

