مقالات

المسرح الوثائقي على خشبة المسرح القومي في هلسنكي

حول عرض مسرحية الجمهورية الثانية

 

د فاضل الجاف

 

من النادر جدا أن نشاهد عرضا ينتمي كليا إلى المسرح الوثائقي على خشبة مسرح قومي، ولا سيما حين يأتي بهذا المستوى من الإتقان الفني والدراماتورجي. فقد أخذ حضور المسرح الوثائقي في العقود الأخيرة يتراجع، بعد ازدهاره منذ خمسينيات القرن العشرين، خصوصا في تجارب أرفين بيسكاتور وبيتر فايس، وفي ظل التأثير المتنامي لمنهج بريشت على المسرح السياسي، حتى غدت مشاهدة عرض مسرحي وثائقي متكامل تجربة مسرحية نادرة تستحق التوقف عندها.

لقد كنت تواقا إلى مشاهدة عرض من هذا النوع، عرض لا يستخدم الوثيقة بوصفها غاية في ذاتها، ولا يحوّل المسرح إلى منبر لعرض المعلومات، وإنما يجعل من المادة التاريخية مادة حية للفعل المسرحي.

قدّمت “الجمهورية الثانية” للكاتب والمخرج الفنلندي إيسا ليسكينن للمرة الأولى على الخشبة الكبرى للمسرح الوطني الفنلندي في 12 شباط/فبراير 2026، وهي الجزء الرابع من سلسلة المخرج ليسكينن المسرحية حول الديمقراطية. ويتناول العرض تاريخ فنلندا الحديث، من سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية وصولا إلى أواخر الثمانينيات، فيما يتخذ أورهو كيكونن، الرئيس السابق لفنلاندا، الشخصية المركزية والرمز السياسي لهذه المرحلة.

ويتمثل أحد أكثر الاختيارات الدراماتورجية نجاحا في تقديم شخصية الرئيس كيكونن في مرحلتين عمريتين مختلفتين. فكيكونن الشاب ليس مجرد نسخة أصغر من كيكونن في سنواته المتقدمة، بل يبدو الاثنان كما لو أنهما مرحلتان من شخصية واحدة، ومرحلتان من تاريخ فنلندا في أصعب مراحلها، تنظر كل منهما إلى الأخرى عبر الزمن. ويمنح هذا التقسيم الشخصية بعدا دراميا يتجاوز مجرد التمييز بين الشباب والشيخوخة، إذ يجعل الزمن والذاكرة جزءا من بنية العرض نفسها.

لكن قيمة العرض لا تكمن في مادته التاريخية الثرية فحسب، وإنما في الطريقة التي أعاد بها ليسكينن تنظيم هذه المادة داخل بناء دراماتورجي متين ومتماسك. وهنا تتجلى قدرته الإخراجية بوضوح، فهو لا يكتفي بسرد الأحداث والوقائع، بل يبني منها حبكة مسرحية تدعمها الوثائق والأفلام والصور والموسيقى والسينوغرافيا، وتمنح التاريخ حياة أخرى فوق الخشبة.

يعتمد العرض على مصادر تاريخية أصيلة من مذكرات ويوميات ودراسات وشهادات وروايات معاصرة للأحداث. لكن المسرح الوثائقي لا يكتسب قيمته من كثرة الوثائق، بل من الطريقة التي تتحول بها الوثيقة إلى جزء من البناء الدرامي. وفي “الجمهورية الثانية” تنجح هذه العملية في معظم المشاهد، فالوثيقة لا تبقى مادة أرشيفية منفصلة، وإنما تدخل في علاقة مع الممثل والصورة والحركة والإيقاع، فتتحول إلى جزء من النسيج الدرامي.

ولعل أهم ملاحظة نقدية يمكن توجيهها إلى عمل المخرج تتعلق بكثرة المشاهد الدرامية التي جرى تصويرها مسبقا ثم عرضها على الشاشة. فبعض هذه المشاهد تظل، في جوهرها، مشاهد درامية تمثيلية، ولم تكتسب طابعا وثائقيا لمجرد تصويرها وعرضها على الشاشة. ويبدو أن أحد دوافع هذه التقنية الإخراجية كان إتاحة رؤية تعابير وجوه الممثلين عن قرب، والكشف عن تفاصيل أدائهم وانفعالاتهم، وهو أمر تؤديه الصورة ( اللقطة) القريبة في السينما، بينما لا تمثل، في المسرح، ضرورة في ذاتها، إذ يقوم العرض المسرحي على الحضور الحي للممثل وعلاقته الفيزيائية المباشرة بالمتلقي وفضاء العرض.

لذلك كان من الممكن، في تقديري، تقديم عدد من هذه المشاهد بوصفها مشاهد درامية حية على الخشبة، والاحتفاظ بالشاشة للمشاهد التي تكتسب معناها من طبيعتها الوثائقية، ولا سيما أن كاتي لوكا نجحت في خلق أفضية متعددة وتشكيلات متنوعة للديكور، كان من الممكن للمخرج استثمارها في تجسيد عدد أكبر من المشاهد الدرامية بدلا من تصويرها مسبقا وعرضها في هيئة مقاطع فيديو.

ولا بدّ أن أشير الى أن هذه الملاحظة على المعالجة الإخراجية، لا تنتقص من نجاح العرض، بقدر ما تشير إلى إمكان استثمار فضائه وأدواته المسرحية بصورة أكثر فاعلية.

تلعب السينوغرافيا التي صممتها كاتي لوكا دورا يتجاوز الوظيفة الجمالية المجردة، إذ نجحت في خلق فضاء مسرحي متحرك وديناميكي، ومتعدد المستويات والفضاءات والمساحات، بما أتاح إمكانات واسعة لتشكيل المشاهد وتنوعها وانتقالاتها.

وتسهم موسيقى جوسي تورونا في هذا الانتقال، وهو الذي يؤديها حيا على الخشبة. وتزداد فاعليتها خصوصا في المشاهد الفكاهية والصامتة التي تقترب أحيانا من أجواء الفيلم الصامت، وتستحضر في إيقاعها وروحها الساخرة بعضا من ملامح موسيقى المؤلف الموسيقي السوفيتي الشهير دميتري شوستاكوفيتش.

وهنا تؤدي الموسيقى وظيفة دراماتورجية بالغة الأهمية، إذ تمنح العرض إيقاعا مغايرا، وتساعده على التحرر من ثقل مادته السياسية الجافة.

وعلى الرغم من أن المسرحية تستعيد مرحلة تاريخية محددة، فإن الحاضر يطل باستمرار من بين صفحات الماضي. فالإشارات إلى الحياة البرلمانية، والخطاب الديني، والرعاية الصحية، والمساواة الاجتماعية، تجعل المتفرج يدرك أن استعادة هذه المرحلة ليست مجرد فعل في الذاكرة، وإنما تذكير بالظواهر والتحديات المعاصرة التي تواجهها اليوم معظم البلدان التي تخوض تجربة الديمقراطية والنظام البرلماني. فالديمقراطية في هذا العرض أكثر من كونها موضوعا تاريخيا، إنها سؤال مفتوح حول قدرة المجتمع على حماية ما بناه، ومواجهة التحديات التي تهدد تجربته الديمقراطية. ومن هنا يتجاوز الحديث عن الديمقراطية وتحدياتها في العرض حدود التجربة الفنلندية، ليطرح أسئلة مشتركة تواجه اليوم معظم المجتمعات التي تخوض تجربة الديمقراطية والنظام البرلماني.

وفي اللحظات الأخيرة من العرض، يتجاوز العرض التاريخ الفنلندي إلى سؤال أكثر شمولًا: ماذا يفعل الذين يبقون بعد رحيل الذين صنعوا التاريخ؟

ومن هنا تأتي عبارة «على الأحياء أن يبنوا» بوصفها خلاصة فكرية ومسرحية للعمل. فالماضي يستطيع أن يفسر ويحذر، لكنه لا يستطيع أن يبني الحاضر نيابة عن الأحياء.

خرجت من «الجمهورية الثانية» بانطباع يتجاوز مجرد مشاهدة عرض تاريخي جيد. شعرت أنني أمام نموذج حقيقي للمسرح الوثائقي الذي كنت أفتقده منذ زمن طويل، نموذج يقوم على دراماتورجيا متماسكة، ورؤية إخراجية واضحة، وقدرة على تحويل الوثيقة من مادة بحثية إلى مادة درامية، مستفيدا في ذلك من تقنيات مسرحية متقدمة وتكنولوجيا حديثة أسهمت في إثراء العرض وتعزيز أدواته التعبيرية.

وربما تكمن أهمية عرض”الجمهورية الثانية” الأساسية في أنها تذكّرنا بأن المسرح الوثائقي لا يصبح مسرحا حقيقيا بمجرد استخدام الوثائق أو الشاشة، وإنما عندما تخضع الوثيقة، مثلها مثل كل مادة مسرحية، لمنطق الدراماتورجيا والفعل والأداء والإيقاع.

وتكمن قوة المسرح الوثائقي، في النهاية، في قدرته على جعل التاريخ حيا من جديد، لا لكي يعيد الماضي، بل لكي يجعلنا نراه بعين الحاضر.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية