في مسرحية “تمرين مقرف” للمؤلف: علي العبادي
حمزة الغرباوي
تُعد نصوص المؤلف المسرحي علي العبادي من بين النصوص التي تحمل مغايرة في الأسلوب والقضية، فهو يبحث، في العادة، عن القضايا المألوفة، ويحاول تناولها بطريقة غير مألوفة، تبعًا لما يشعر به ويؤسس له في أسلوبه الدرامي، الناجم عن إبداع وفهم عميق للفكرة والحوار والشخصيات التي يقدمها، فضلًا عن حبكة التسلسل الدرامي ومنطقية سير الأحداث، فهو يعرف كيف يبني الحرف ويصوغ الكلمة، ومن خلال قراءتي لنصه المسرحي (تمرين مقرف)، وجدته نصًا تتوافر فيه عناصر بناء درامي تستحق الدراسة والتحليل، لذا بدأت بما يلي:
أولًا: الفكرة
إن الأفكار التي يستقيها المؤلفون ويوظفونها في نصوصهم المسرحية كثيرة، فبعضها يستحق الوقوف عنده وتأمله، في حين يمر بعضها الآخر مرورًا عابرًا، لأن الفكرة تمثل اللبنة الأولى والأساس المتين الذي يبني المؤلف عليه بقية العناصر الأخرى التي تعضد النص وترسم ملامحه وصولًا إلى اكتماله، وعند الوقوف أمام فكرة النص المسرحي (تمرين مقرف)، أجد أنها فكرة جديدة على المشتغلين في حقل المسرح، وكذلك على القراء والباحثين، إذ يناقش المؤلف قضية افتراضية قد يراها البعض عبثية ولا فائدة منها، في حين قد يجد فيها آخرون ما يتناسب مع أسئلتهم وقلقهم الوجودي.
وتقوم جدلية الافتراض هنا على سؤال مركزي: ماذا يحدث لو كانت المدينة خالية تمامًا من البشر؟ ، ولم يبقَ فيها سوى شخصين: (أنا وأنت)؟ ماذا نفعل؟ وكيف نفكر؟
إن هذه الأسئلة التي يطرحها النص تبدو، في ظاهرها، افتراضية، لكنها تحمل في عمقها أسئلة تتصل بالحياة والموت والاغتراب، فهناك من يعيش حالة من الاغتراب والفوضى وهو وسط كمّ هائل من البشر، وهناك من يرى في الموت خلاصًا وحيدًا، ويحاول أن يجعل من هذا الاقتراح منفذًا للخروج من وضعه البائس أو الفاشل.
ومن هنا، فإن المدلولات التي تطرحها فكرة النص تكون قابلة للنقاش والبحث والتطوير، لأنها لا تقدم إجابة نهائية بقدر ما تفتح أسئلة تتجاوز حدود الحدث المسرحي إلى أسئلة الإنسان في علاقته بالوجود والمصير.
ثانيًا: الحبكة
تؤدي الحبكة دورًا مهمًا ومحوريًا في عملية كتابة النص المسرحي، لأنها المسؤولة عن بلورة الأحداث وترابطها وضبط إيقاع تسلسلها الدرامي والمنطقي، من خلال ربط البداية بالوسط وصولًا إلى النهاية.
ويمكن اعتبار الحبكة آلية تحمي النص من التشظي، فلولاها لما أمكن تحقيق فهم متماسك للنص وطرائق تشكيله وتركيبه، وغالبًا ما يكون المعنى حاضرًا بقوة مع حضور الحبكة، بينما يعلن غيابه أو اضطرابه عند إهمالها أو التقليل من أهميتها.
وفي النص المسرحي (تمرين مقرف) للمؤلف العراقي علي العبادي، اجد أن الأحداث تقوم على تسلسل منطقي تحكمه الحبكة، وتمنحها القدرة على الاستمرار في بناء الأحداث وتطويرها، فقد بدأ النص بجدل واقعي بعيد، في ظاهره، عن الافتراض، ثم أخذت الأحداث تتوالى، وبدأت الشخصيات في طرح الاقتراحات من دون الوصول إلى حلول حقيقية.
ويخيم الفشل والبؤس على مسار الأحداث كلما انخرط القارئ في تفاصيلها، بينما تتعقد المشكلات ويتحول مسار الأحداث إلى صراع وجدال عميق بين الشخصيات، إنهما يبحثان عن مخرج أو منفذ أو حل لمشكلاتهما العميقة وحياتهما البائسة التي لا يسكنها أحد سواهما.
لقد لجأ إلى حلول متعددة، بل وصلا إلى اقتراح الدعاء، على الرغم من عدم امتلاكهما إيمانًا حقيقيًا به، لكنهما يفشلان في الوصول إلى حل حاسم، وقبل أن ينتهي القارئ من قراءة النص، وقد استحوذ عليه هذا البؤس والفوضى التي أثارت حفيظته، يكتشف أن ما قرأه سابقًا لم يكن سوى افتراض؛ (تمرينًا مقرفًا) قبل الموت.
وهنا تكشف النهاية عن براعة الحبكة في بناء الوهم الدرامي، إذ استطاع المؤلف أن يجعل القارئ يتعامل مع الافتراض بوصفه واقعًا، وأن يعيش مع الشخصيات حالة البؤس والفشل والبحث عن الخلاص، قبل أن يكشف له أن هذا الواقع لم يكن سوى تمرين افتراضي سابق على الموت.
وبذلك تتحول الحبكة إلى أداة لإنتاج المفارقة، إذ لا تكمن أهميتها في ترتيب الأحداث فحسب، وإنما في قدرتها على إعادة تشكيل فهم القارئ لما قرأه بعد انكشاف الحقيقة.
ثالثًا: الشخصيات
تُعد الشخصيات التي يؤسس لها المؤلف في نصه من أهم العناصر التي تحرك الفعل الدرامي وتربط عناصر النص بعضها ببعض، فلولا وجود الشخصيات لما اكتملت منظومة البناء المسرحي، ولظل النص منقوصًا لا يلبي طموح القارئ ولا يصل إلى مستوى الاشتغال الدرامي المتكامل.
وفي العادة، يخلق المؤلف شخصيات متعددة، قد تكون واقعية أو فنتازية أو أقرب إلى الخيال، لكن النتيجة النهائية تتمثل في قدرتها على خدمة هدف النص ودفعه إلى الأمام من خلال الفعل والاشتغال الدرامي.
وفي النص المسرحي (تمرين مقرف)، أجد أن الشخصيات التي عمل المؤلف على تأسيسها، على الرغم من وضع أرقام لها بدلًا من الأسماء، واضحة الهدف والغاية، ويمكن قراءة هذا الاختيار بوصفه قصدية دلالية، فالشخصيات هنا يتحولون إلى أرقام بدلًا من أسماء، لأن الاسم قد يحدد الشخصية ويقيد دلالتها، بينما يمنح الرقم مساحة أوسع للإشارة والرمز.
ومن هذا المنطلق، تبدو عملية اختيار الأرقام للشخصيات فكرة مرنة، لأنها تترك للقارئ حرية التأويل والتصنيف، وتفتح المجال أمام قراءة الشخصيتين بوصفهما نموذجين إنسانيين يتجاوزان فرديتهما الخاصة.
إن الشخصيتين (الأول)و(الثاني) تمثلان، في قراءتي، كل من يعيش حالة من الاغتراب الداخلي إزاء الواقع، ويعاني صراعًا مستمرًا مع ذاته ومع الآخر، فكل شخصية تصف الأخرى بالفشل أو البؤس، وهو ما يكشف عن أزمة أعمق تتصل بالقرار والاختيار والقدرة على مواجهة أبسط المشكلات التي تواجههما.
وتظل الشخصيات عالقة في وحل البؤس، وتأتي محاولاتها جميعًا فاشلة بسبب عدم قدرتها على الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه، فلا تملك سوى الشكوى والتذمر والبحث عن منفذ غير متاح.
وهذه الحالة تبدو قصدية من المؤلف، فهو يستخدم العجز الذي تعانيه الشخصيات ليؤسس لحاجتها إلى معجزة أو قوة غيبية أو افتراض يشبه الحلم، يخرجها من المأزق الذي تعيشه. وبالفعل، يتحقق هذا الافتراض في نهاية النص، ليعيد القارئ النظر في كل ما سبق من أحداث.
رابعًا: الحوار
يشكل الحوار وسيلة اتصال مهمة بين الشخصيات، ويعزز من أهمية الحدث الدرامي، كما يكشف عن الأهداف الأساسية التي يُبنى عليها النص، ويسهم في الكشف عن هوية الشخصيات وسماتها النفسية والفكرية.
وليس من الضروري أن يكون الحوار منطوقًا دائمًا، فالصمت يمكن أن يؤدي وظيفة حوارية أيضًا، متى ما كان موظفًا داخل السياق الدرامي بطريقة واعية ومؤثرة.
وقد جاء الحوار في النص المسرحي (تمرين المقرف) مكتوبًا وموظفا بطريقة تفصح عن عمق الفكرة والقضية، على الرغم من وجود تكرار في بعض مناطق النص، ولا يمكن الجزم بأن هذا التكرار كان مقصديًا من المؤلف أم أنه جاء نتيجة الرغبة في المبالغة او التقنين، وفي كل الأحوال ان عملية استعمال المبالغة والتكرار تعد سمة من سمات مسرح العبث وهذا ليس عيبا واضحا بشكل كبير ، إلا أن هذه الجزئية تظل من بين الملاحظات القليلة التي يمكن تسجيلها على النص، لأن التكرار بجهد قليل من الكلمات أو الجمل من دون وظيفة دلالية أو درامية واضحة قد يضعف من إيقاع النص ويؤثر في فاعلية الحوار.
ومع ذلك، كلما تحول الحوار إلى وسيلة حقيقية لسرد الأحداث وتطويرها، فإنه يعظم من حضور الحدث ويمنح النص قيمة جمالية، ولا سيما حين يكون توظيف الكلمة منسجمًا مع طبيعة الشخصيات ومواقفها.
وعلى الرغم من الملاحظة السابقة، فقد أدى الحوار وظيفته في (تمرين مقرف)، ووصلت الأفكار من خلاله بصورة بسيطة ومباشرة، الأمر الذي يعزز قابلية النص للدراسة والبحث والتحليل، فضلًا عن إمكانية الاشتغال عليه مسرحيًا وتقديمه على الخشبة.
في ضوء ما تقدم، أجد أن النص المسرحي (تمرين مقرف) للمؤلف (علي العبادي ) يمثل تجربة تستحق التوقف عندها في مسيرته الإبداعية في التأليف المسرحي، لما يحمله من اشتغال على الفكرة والافتراض والمفارقة، فضلًا عن قدرته على إرباك الحدود بين الواقع والمتخيّل.
وتكمن أهمية النص، في تقديري، في الطريقة التي يجعل بها المؤلف القارئ يعيش افتراضًا بوصفه واقعًا، ثم يعيد في النهاية تعريف هذا الواقع بوصفه تمرينًا سابقًا على الموت، ومن هنا تنشأ جدلية النص الأساسية بين ما يبدو حقيقيًا وما يتكشف لاحقًا بوصفه افتراضًا.
إن هذا الاشتغال يمنح (تمرين المقرف ) خصوصيته، ويجعل أسلوب( علي العبادي ) محاولة للخروج من القوالب التقليدية في بناء النص المسرحي، من خلال تحويل الافتراض إلى مساحة لطرح الأسئلة الوجودية والنفسية، وترك القارئ أمام واقع لا يكتشف حقيقته إلا في اللحظة الأخيرة.


