مقالات

فاطمة… حين يصبح التتويج اعترافًا بفنٍّ يستحق أن يُرى

وليد قصوري

 

في زمنٍ أصبح فيه الحديث عن الإطلالة وتسريحة الشعر والحذاء قادرًا على احتلال مساحات واسعة من الإعلام، يأتي تتويج العمل الدرامي الجزائري «فاطمة» ليذكّرنا بأن الفن الحقيقي قادر على فرض نفسه، حتى عندما لا يجد المساحة الإعلامية التي يستحقها. فقد توّج العمل بالجائزة الأولى في صنف الدراما الاجتماعية ضمن فعاليات الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس، في محطة فنية تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الضجيج العابر.

«فاطمة» ليس مجرد عمل يُعرض على الشاشة ثم ينتهي بانتهاء الحلقة، بل تجربة درامية تستند إلى الحكاية والشخصية والذاكرة والمجتمع. ومن خلال عالمه الدرامي، يفتح العمل مساحة للتأمل في الإنسان الجزائري وتحولاته وتناقضاته، ويمنح شخصياته فرصة لأن تكون أكثر من مجرد أدوات لتحريك الأحداث. وهذا ما يجعل التتويج مناسبة للحديث عن العمل وبنائه وممثليه، وعن الجهد الجماعي الذي يقف خلف الصورة النهائية التي تصل إلى الجمهور.

ومن بين الأسماء التي حضرت في هذا العمل تبرز بهلول حورية، إحدى بطلات «فاطمة»، بحضورها وأدائها اللذين يساهمان في تشكيل العالم الإنساني للعمل. فالممثل ليس مجرد اسم في قائمة المشاركين، بل هو جزء أساسي من صناعة الشخصية وتحويل النص المكتوب إلى حياة على الشاشة. وكل حضور تمثيلي حقيقي يضيف إلى العمل طبقة جديدة من المعنى والإحساس، ويمنح الشخصية ملامحها الخاصة التي تجعلها قريبة من وجدان المشاهد.

وحضور بهلول حورية في «فاطمة» يستحق أن يُقرأ في سياق أوسع من مجرد ذكر اسمها ضمن طاقم العمل. فالممثل الذي يقف أمام الكاميرا يحمل مسؤولية جعل الشخصية قابلة للتصديق، وتحويل الكلمات إلى سلوك ونظرات وصمت وانفعالات. وفي الأعمال الدرامية التي تقوم على العلاقات الإنسانية والاجتماعية، تصبح التفاصيل الصغيرة في الأداء جزءًا من قوة الحكاية، ويصبح الممثل شريكًا حقيقيًا في بناء المعنى، لا مجرد منفذ لما هو مكتوب.

ولعل ما يجعل هذا التتويج أكثر أهمية أنه يعيدنا إلى سؤال غائب في كثير من الأحيان: لماذا لا نحتفي بالممثل والفنان بالطريقة نفسها التي نحتفي بها بالصورة الخارجية؟ لماذا تستطيع بعض الصفحات أن تمنح مساحة هائلة لأجمل إطلالة وأفضل تسريحة وأحسن حذاء، بينما يمر تتويج عمل درامي جزائري في مهرجان عربي دون أن يأخذ المساحة نفسها من الاهتمام؟ هنا لا نتحدث عن إلغاء الترفيه، وإنما عن الحاجة إلى إعادة التوازن بين ما هو عابر وما هو فني.

لا يتعلق الأمر برفض الحديث عن الجمال أو الموضة أو المشاهير، وإنما بإعادة التوازن إلى المشهد الإعلامي. الفن ليس مظهرًا فقط، والممثل ليس وجهًا على شاشة، والمخرج ليس اسمًا في شارة النهاية. وراء كل عمل ناجح كتابة وبحث وإدارة وأداء وصورة وموسيقى وتقنيات وساعات طويلة من العمل لا تظهر للجمهور عندما يشاهد الحلقة، لكنها هي التي تصنع في النهاية تلك اللحظة التي تبدو بسيطة أمام الكاميرا.

ومن هنا يصبح تجاهل مثل هذه التتويجات أكثر من مجرد نقص في الأخبار بالنسبة إلى البعض، لأنه يكشف أحيانًا عن خلل في ترتيب الأولويات الإعلامية. حين تصبح التفاصيل السطحية أكثر قابلية للتسويق من التجارب الفنية الجادة، فإن بعض المنابر قد تساهم، بقصد أو دون قصد، في جعل المحتوى السهل أكثر انتشارًا من الإبداع. والمشكلة ليست في الجمهور وحده، بل في منظومة تختار باستمرار ما الذي يستحق أن يُرى، وما الذي يمكن أن يُهمَل، وما الذي يتحول إلى حديث عام.

أما «فاطمة»، فقد حصل على اعتراف داخل مهرجان عربي، وهذا يمنحه حقًا في أن يُناقش ويُقرأ ويُحلل. والتتويج لا يعني أن العمل فوق النقد، بل على العكس؛ فالعمل الذي يصل إلى منصة التتويج يستحق نقدًا جادًا يضيء نقاط قوته ويكشف جوانب ضعفه. فالنقد الحقيقي لا يكون بالتجاهل، وإنما بالحوار والتحليل ووضع التجربة داخل سياقها الفني، لأن الفن لا يتطور بالتصفيق وحده، كما لا يتطور بالصمت.

وفي قلب هذا الإنجاز تقف أسماء الفنانين الذين منحوا الشخصيات روحها، ومن بينهم بهلول حورية، التي يستحق حضورها أن يكون موضع قراءة واهتمام، لا مجرد اسم يمر سريعًا في نهاية خبر عن المسلسل. فالفن الجماعي لا يصنعه شخص واحد، وكل نجاح حقيقي هو نتيجة تفاعل مجموعة من المواهب والطاقات التي تلتقي داخل عمل واحد، ثم تتحول جهودها الفردية إلى تجربة جماعية تصل إلى الجمهور وتبحث عن مكانها في ذاكرته.

مبروك لفريق «فاطمة» هذا التتويج، ومبروك لكل فنان وفنانة ساهموا في صناعة هذا العمل، ومن بينهم بهلول حورية. ومبروك للدراما الجزائرية حين تصل إلى منصات عربية وتفرض حضورها من خلال العمل الفني. فالتتويج ليس مجرد لحظة عابرة، بل فرصة لإعادة فتح النقاش حول الدراما الجزائرية، وحول الفنانين الذين يعملون خلف الشاشة وأمامها، وحول قيمة أن يجد الفن الجاد من يراه ويقرأه ويمنحه حقه.

وربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا بصدق: هل نريد إعلامًا يكتفي ببيع الصورة، أم إعلامًا يفتح الطريق أمام الفن ويمنح التجارب الجادة حقها في الظهور؟ الفنان قد يعيش لحظة واحدة أمام الكاميرا، لكن خلف تلك اللحظة سنوات من العمل والتكوين والتجربة. وقد تختفي صورة الإطلالة بعد ساعات، بينما يمكن لشخصية فنية صادقة أن تبقى في ذاكرة المشاهد سنوات طويلة، وهنا يكمن الفرق بين ما يلمع للحظة وما يبقى في الذاكرة.

حين تتوّج الدراما، يجب أن نتحدث عن الدراما. وحين ينجح الممثل، يجب أن نرى ما وراء الصورة. وحين تبرز أسماء مثل بهلول حورية، يجب أن نمنح الفنان حقه في أن يُكتشف ويُناقش ويُحتفى به. لأن قيمة الفن لا تُقاس فقط بعدد المشاهدات، ولا بعدد الصور المتداولة، وإنما بما يتركه من أثر في الإنسان والذاكرة.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية