بحوث علمية

قراءة نقدية ل”نبتة الخلود” للكاتبة زهراء سالم جبار

بين فلسفة النص والمسعى الملحمي

علي حسين الخباز

تجربة جلجامش غنية بالفلسفة وبعافية المعنى، تتحدث عن فشل مسعاه بالبحث عن الخلود؛ تكمن الحقيقة في هذا الفشل الذي أضرم فيه المعنى. ماذا لو نجح جلجامش في تجربته؟ أكيد لكان استهلك معناه ولعاش حياته بلا معنى. وجوده في هذا التلاشي جعله مشروع استثمار للمبدعين نهلوا منه الفكر والإبداع. وفي مسرحية (نبتة الخلود) لزهراء سالم جبار، كتبت الإهداء ومضات بطعم الفلسفة تصلح أن تكوّن علاقة لوجود جلجامش في غيابه:
(لقد كانوا ميزان المعنى حين اختل الكلام مضوا فاستقام فينا الطريق).
تكمن حقيقة جلجامش العصر الحديث (ميزان المعنى) حين جعلوا الموت سبيلاً من سبل الخلود؛ الموت هو النبتة التي اكتشفها إنسان العصر عبر معين الفناء. لخصت الخلود بمفردة (مضوا) كي نبقى.
(جلجامش:ـ عدت إليك ويدي فارغة إلا من غبار الطرقات/بحثت عن نبتة الخلود/في لجج البحار/في صدور الجبال/في ظلمة الكهوف/حيث تنام الأعمار القديمة).
لنتفق: أن الرحلة كلها ليست من أجل الذات؛ هو أراد الحياة لأنكيدو كي يعيش.
(جلجامش:ـ رأيته صامتاً يجلس في صلب الأشياء/في انحناءة القمح/في شيخوخة العمر/في تعب العيون…….. أنكيدو لا تتركني وحدي).
دوافع البحث عن الخلود هي الشعور بالوحدة بعد رحيل أنكيدو، كان يمتلك الوعي الإنساني الاجتماعي والسياسي، لغياب الحبيب؛ هو محمول فكري كونه إنساناً.
:__ (سأفهم أخيراً أن الخلود كذبة الأقوياء حين يخافون).
فكرة البحث هي موت أنكيدو، ومن أجل القضاء على الشر، وجلجامش عثر فعلاً على نبتة الخلود، لكنه لم يكتفِ بتناولها كي يجدد حياته ويستكمل وجوده، بقدر ما أكد على زرعها وتوفيرها لشيبة أوروك كي يعيد الشباب لهم. فمن مواصفات النبتة أنها تعيد الشيخ إلى الصبا، ليكتشف أن الخلود كامن في المنجز الإنساني حسب قراءة أغلب النقاد للملحمة.
(ماذا أفعل؟/أخبرني؟/أقاتل الريح؟/أكسر باب القدر؟
/أرفع السيف في وجه الموت؟/أأعيد الزمن إلى الطين وأعجنه من جديد؟)
(عشبة تراوغ الفناء وتمنحه خلوداً).
عدة محاور تنطلق من هذا الحوار. كتبت ملحمة جلجامش السومرية على أحد عشر لوحاً طينياً بالخط المسماري، وقد اكتُشفت في عهد الآشوري آشور بانيبال، وتلك الألواح موجودة في المتحف البريطاني باللغة الأكدية، والتي تُعدّ أقدم حكاية كُتبت عبر التاريخ.
أولاً: رؤية القدر فلسفة عميقة لما بعد الموت، وقدر الإنسان وعدم قدرته على الخلود، ووجوب اقتناعه بفرصة واحدة للحياة.
(الآلهة قدرت الموت على البشرية واستأثرت هي بالحياة)، وأن الموت قدر مقدر على بني الإنسان.
ثانياً: يمثل الطين في ملحمة جلجامش مادة الخلق الأولية، حيث خلقت الآلهة البشر وأنكيدو من طين الأرض، فتتجسد القوة والندية، وكان للآلهة دور في تشكيل الحياة، حيث تم خلق أنكيدو من قطعة طين ليكون نداً قوياً لجلجامش. وأنكيدو خُلق نتيجة استغاثة شعب أوروك بالآلهة من ظلم جلجامش. خمبابا عاب على أنكيدو أنه لا أب له، ولم تلده امرأة من رجل، وإنما خلقته الآلهة من التراب؛ فكرة ولادة شخص دون وجود أو تدخل أب، لهذا ينظر جلجامش إلى ثلثيه المقدس وكأنه يرى أن من المفترض أن تكون له القدرة على خلق أنكيدو من جديد؛ فكرة دينية هي فلسفة الخلق.
(لكني الآن أبصر ما غاب عني….. لم أكن أطلب له حياة لا تنقضي؛ بل كنت أستنبت وهماً يؤجل اعترافي أني أخشى أن أقف وحدي وجهاً لوجه أمام حفرتي الأخيرة).
يرى بعض النقاد أن جلجامش لم يبحث عن الخلود إلا حين خاف من الموت بعدما غادره صديقه وفاءً لرغبة الآلهة؛ أي أن موت أنكيدو ولّد في نفسه خوفاً لم يعرفه من قبل، مما دفعه لترك عرشه والسعي خلف الخلود. صدمه موت أنكيدو وحوّله من طاغية إلى باحث عن الحياة؛ هل اليأس هو سبب تحوله إلى فعل الخير؟
(إن مت فليس لأن الموت غلبني؛ بل لأن الحياة أخذت نصيبها).
تداخلت الكاتبة زهراء سالم جبار مع الموت والخلود، وتركت السؤال مفتوحاً عن القوة والضعف، عن الإنسان حين يدرك أنه سيموت؛ لمحة فلسفية. موت أنكيدو بعث فيه الحياة، وليس من الحياة، جعله يعمّر الحياة لمن بعده. وأجمل ما في الموت أنه لا يفرق بين عبد وملك.
(الخلود أن تتسع جراحك للحزن؛ وأن تبقى إنساناً؛ لا صخراً يتقن الصمت).
الخلود الحقيقي: كيف يملأ الإنسان وقته المحدد بالمعنى. تحول جلجامش إلى رمز للإنسان الذي يعرف أن السلطة لا تمنحه الخلود، وأن القوة لن توقف الزمن، ومع ذلك الخوف اختار أن يترك أثراً لا يُمحى.
سؤال يباغتني: لماذا نعود إلى جلجامش اليوم؟ هل نحن نعيش القلق ذاته، ذات الوهم والخوف والبحث عن المعنى؟ معنى الحياة ومعنى الموت؟ صحيح أننا نعيش أعمارنا بآجال محددة، لكننا نعيشها بوعي رصين. جلجامش لم يحصل على الخلود، لكنه واجه الموت ليعيش، وبعد ما فهم المعنى صار إنساناً.
(جلجامش:ـ بلادي ليست جسداً ليُطعن، ولا رايةً لتسقط إن هبّت عليها الريح، هي نبض في صدور أهلها، فإذا حاولوا قتلها استيقظت فيهم ألف حياة، لن أترك أنكيدو يموت مرتين).
جوهر التحول النفسي عند جلجامش هو موت أنكيدو المأساوي، الذي جعلني أمام قضية مهمة، وكأن جلجامش لم يرَ الموت يوماً أو لم يسمع به؛ لذلك كان موت أنكيدو مباغتاً، دلالة على طغيانه، إذ لم يُعرِ أهمية لموت الآخرين. حضر الموت عنده في موت أنكيدو؛ كان هو الواعظ الصامت الذي تتجلى فيه حقيقة الوجود. ركّزت الكاتبة زهراء سالم جبار على استنطاق الرموز الثانوية في النص:
(الخادم… الخلود ليس نبتة تُقطف / بل أثر خطوة لم تتراجع حين كان العالم كله يتراجع).
بحثت في القيمة الفكرية والوعظية والجمالية والفنية، واستطاعت بتمكنها اللغوي أن تقود الملحمة إلى كنوز الوجد والوجدان. نحن عرفنا كل شيء عن عالم جلجامش القديم، ونريد أن نعرف كيف نقرأ جلجامش بعد عام 2014م، أو بالأحرى كيف سنستحضره بما يملك من وعي بالخلود في فهمه القديم، وكيف سنحمل معناه هويتنا وهو ما زال في عثرات الجهل يبحث عن سر الخلود.
أمدّت الكاتبة رموزها بهذا المعنى ليكون الخادم هو من يمتلك سلطة تغيير الأزمنة والأمكنة والأحداث:
(الخ

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026