مقالات

نقطة اللاعودة في الكتابة الدرامية

محمد بوتجيم

 

تقوم الكتابة الدرامية، في جوهرها، على الصراع والتحول، فلا وجود لفعل درامي حقيقي دون اهتزاز في وضع الشخصية، ودون انتقال من حالة استقرار إلى حالة اضطراب تجبرها على اتخاذ موقف، وفي قلب هذا البناء تظهر لحظة فارقة يسميها النقاد وكتّاب السيناريو نقطة اللاعودة، وهي اللحظة التي يصبح فيها التراجع مستحيلا، ويغدو استمرار الشخصية في المسار الجديد أمرا حتميا و ملزما للكاتب الدرامي.

نقطة اللاعودة هي منعطف بنيوي يغير اتجاه الأحداث الدرامية، قبلها تكون الشخصية قادرة على الاختيار بين طريقين أو أكثر، أما بعدها فإن الخيارات تضيق، ويصبح الصراع أكثر حدة، لأن الشخصية دفعت ثمنا أو ارتكبت فعلا لا يمكن محوه، لذلك يمكن النظر إليها باعتبارها اللحظة التي يحترق فيها الجسر خلف الشخصية، فلا تعود إلى ما كانت عليه.

يرتبط هذا المفهوم ارتباطا وثيقا بما صاغه الناقد الألماني غوستاف فريتاغ في هرمه الدرامي، حيث تتدرج الحبكة من العرض إلى الحدث المفجر، ثم تصاعد الأحداث نحو الذروة ، وفي هذا التصاعد تظهر نقاط تحول حاسمة تدفع السرد إلى الأمام، الذروة نفسها غالبا لا تكون ممكنة دون عبور سابق لنقطة اللاعودة، لأنها اللحظة التي ترفع فيها الصراع إلى أوج لحظاته.

وفي الدراسات الحديثة للبناء السردي، تصنف نقطة اللاعودة ضمن التحولات الكبرى للحبكة، وهي لحظات تعيد تشكيل العلاقات والأهداف والدوافع داخل النص، الأمر الذي يمنح العمل تماسكه الإيقاعي.

و تتجلى نقطة اللاعودة حين تتخذ الشخصية قرارا يكشف حقيقتها الداخلية، ففي مسرحية هاملت مثلا، لحظة قتل بولونيوس تمثل نقطة اللاعودة، إذ لم يترك ويليام شكسبير لبطله مساحة للتردد السابق، بل دفعه نحو المصير التراجيدي المحتوم، وفي أوديب الملك، تتحقق نقطة اللاعودة عندما يصر أوديب على مواصلة البحث عن الحقيقة رغم التحذيرات، فيتحول طلب المعرفة نفسه إلى طريق نحو الهلاك.

أما في المسرح المعاصر، لم تعد نقطة اللاعودة مرتبطة فقط بالفعل الخارجي، بل قد تكون انكسارا داخليا أو وعيا صادما، أما في بعض نصوص ما بعد الدراما، فقد أضحت نقطة اللاعوة تتجلى في إدراك الشخصية عجزها عن رؤية العالم بالعين السابقة، وهذا ما يناقشه الناقد المغربي خالد أمين في حديثه عن تحولات الدراماتورجيا الحديثة، حيث لم يعد النص وحده حامل التوتر، إنما أصبحت الصورة والفرجة والجسد جزءا من إنتاج اللحظة الدرامية الحاسمة.

أما في المسرح المدرسي ، تكتسب نقطة اللاعودة قيمة تربوية وجمالية كبيرة، لأنها غالبا ما تمثل لحظة الوعي: حين يكتشف البطل الحقيقة التي كانت غائبة عنه، قد يكون الجندي الذي يكتشف أنه لا يدافع عن الوطن بل عن مصالح الطامعين، أو الطفل الذي يدرك أن الصمت عن الظلم شكل من أشكال المشاركة فيه، أو حين تدرك شخصية مرزوق في ديودراما ” الواحة ” أنه يد من الأيادي المدمرة للواحة، هنا تصبح نقطة اللاعودة انتقالا من البراءة إلى المعرفة، ومن التلقي السلبي إلى الفعل.

إن قوة الدراما تتمثل في قدرتها على خلق لحظة يشعر فيها المتلقي أن كل شيء تغير ، تلك اللحظة بالضبط هي نقطة اللاعودة التي تختبر فيها الشخصية مصيرها، ويختبر فيها النص قدرته على شد المتلقي.

شخصية مرزوق في ديودراما الواحة .
Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية