قراءات نقدية

كتاب الخميس (الحلقة الخامسة والثمانون)

 

إعداد وتقديم: محمود سعيد

 

اسم الكتاب: مسرحيــة ” الطابــور”

اسم الكاتب: زبيدة حسن رجـا

اسم الناشر : دائرة الثقافة الشارقة/ مسرحية الأول/ جائزة الشارقة للإبداع                                  العربي/ الإصدار الأول/ الدورة 29/ 2025

******************

 

هندسة الانتظار إلى هندسة الإنسان: أنساق السلطة في مسرحية «الطابور» لزبيدة حسن رجا

 

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مسرحية «الطابور» لزبيدة حسن رجا بوصفها خطابًا دراميًا يكشف التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم السلطة في المجتمع المعاصر، حيث لم تعد السلطة تُمارس عبر أدوات القهر المباشر، وإنما عبر منظومات خفية تعيد تشكيل الوعي الإنساني، وتعيد إنتاج الطاعة داخل فضاءات تبدو في ظاهرها تنظيمية، بينما تخفي في بنيتها العميقة آليات معقدة لإعادة هندسة الإنسان. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الطابور في المسرحية لا يمثل فضاءً للانتظار فحسب، بل يشكل جهازًا ثقافيًا وسيميائيًا لإعادة إنتاج الذات وفق شروط منظومة بيروقراطية تعمل على اختزال الإنسان إلى رقم، وتحويل الحركة إلى دوران، والصوت إلى صدى، والهوية إلى نسخة قابلة للاستبدال. وتعتمد الدراسة مقاربة سيميائية ثقافية تستنطق العلامات البصرية واللغوية والدرامية، وتقرأ وظائف الشخصيات والأشياء والفضاء المسرحي بوصفها أنساقًا دالة تتكامل لإنتاج رؤية نقدية للسلطة الحديثة. وتخلص الدراسة إلى أن المسرحية استطاعت أن تؤسس عالمًا عبثيًا تتداخل فيه الفلسفة بالسخرية، والرمز بالفعل المسرحي، لتقديم نموذج درامي يكشف الكيفية التي يتحول بها الانتظار من حالة زمنية عابرة إلى بنية وجودية تعيد تشكيل الإنسان وتعيد تعريف علاقته بالحرية والهوية والمعنى.

المقدمة

اذ لم تعد السلطة في المجتمعات المعاصرة تُعرِّف نفسها من خلال حضورها المباشر أو عبر مؤسساتها المرئية فحسب، وإنما أصبحت تنتشر داخل تفاصيل الحياة اليومية، فتغدو جزءًا من اللغة، والإجراءات، والانتظار، والأرقام، والملفات، والطقوس التي يمارسها الإنسان دون أن يشعر بأنه يخضع لها. ولعل أخطر ما أنتجته هذه التحولات أن الإنسان لم يعد يواجه سلطة خارجية يمكن التعرف إليها أو مقاومتها، بل أصبح يواجه منظومات معقدة تعيد تشكيل وعيه تدريجيًا، حتى يغدو الامتثال جزءًا من تكوينه النفسي والثقافي، ويصبح الخضوع فعلًا يمارسه بإرادته ظنًا منه أنه يمارس حريته. ومن هنا اتجه المسرح المعاصر إلى تجاوز تمثيل السلطة بوصفها شخصية درامية محددة، ليجعلها بنية كامنة في المكان، واللغة، والإيقاع، والأشياء، والطقوس اليومية، بحيث تتحول الخشبة إلى مختبر يكشف الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الإنسان داخل منظومات السيطرة الحديثة.

النظامى: ( بصوت يختلط بين الرسمية والذُعر البيروقراطى / مُلوًحا بملفه )

هيي .. هيى! الرجاء الوقوف فى الصف حسب الترتيب الأبجدى لللآمال !

اى شخص يحمل أمنية تبدأ بحرف ” غ ” نعتبره … غيًر محله !

بتتنحنح الخبير ، يتقدًم نصف خطوة بتردد ، ثم يرجع … الكل يطالعه .

الخبير : ( يتحدث بفخر ) فى الحقيقة ، لاتوجد أمنية تبدأ بحرف ” غ ” ضمن الفكر البنيوى المعاصر .

لكن ، لو رجعنا إلى الموروث الرمزي لـ ” غيمة الأمل “، ربما ….

الطفل : ( مقاطعاً/ بسخرية ) ماذا تقصد ؟! ما هو ” الموروث الرمزى ” ؟!

وتندرج مسرحية «الطابور» لزبيدة حسن رجا ضمن هذا الأفق الجمالي والفكري؛ إذ لا تقدم حكاية عن أشخاص ينتظرون دورهم، بقدر ما تؤسس عالمًا رمزيًا يتحول فيه الانتظار إلى نظام وجود، والطابور إلى استعارة كبرى للسلطة الحديثة،والرقم إلى بديل عن الاسم، والدائرة إلى صورة لعالم يدور حول ذاته دون أن يبلغ غايته. ولا تستمد المسرحية قيمتها من موضوعها وحده، وإنما من قدرتها على تحويل العناصر المسرحية جميعها إلى علامات ثقافية متشابكة؛ فالساعة المتوقفة، والباب المغلق، والطابعة، والميكروفون، والميزان، وآلة تنظيف الأحذية، ليست مجرد مفردات سينوغرافية، بل تمثل أجهزة رمزية تكشف انتقال السلطة من المجال السياسي التقليدي إلى المجال الثقافي والإجرائي، حيث يصبح الإنسان موضوعًا دائمًا لإعادة التصنيف والقياس والمراقبة والاستنساخ.

لا ينهض النص على صراع بين الخير والشر أو بين شخصيات متعارضة الإرادات، وإنما يقوم على صراع أكثر تعقيدًا يتمثل في مواجهة الإنسان مع منظومة لا تُرى، لكنها تُحكم قبضتها على الزمن والحركة واللغة والذاكرة. ومن ثم فإن الشخصيات لا تبدو أفرادًا بقدر ما تبدو تجليات لطرائق مختلفة في الاستجابة للسلطة؛ فالنظامي يمثل العقل البيروقراطي الذي يحرس القوانين دون أن يعرف غايتها، والخبير يجسد المعرفة التي تتحول إلى خطاب معطل للعقل العملي، وأم الصبر تستبطن ثقافة الانتظار حتى تجعلها فضيلة أخلاقية، بينما يمثل الطفل الوعي الفطري القادر على مساءلة المسلمات، ويغدو الشيخ ذاكرة الحكمة التي تكشف زيف النظام من خلال لغة رمزية كثيفة.

انطلاقًا من هذه الرؤية، تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن «الطابور» لا يقدم صورة عن الانتظار، وإنما يبني نموذجًا دراميًا لآليات إعادة تشكيل الإنسان داخل أنساق السلطة الحديثة، وذلك من خلال بنية عبثية تتكامل فيها العلامة البصرية مع اللغة، والفضاء مع الحركة، والرمز مع الفعل المسرحي، لإنتاج خطاب نقدي يتجاوز خصوصية النص إلى مساءلة الواقع الإنساني المعاصر. لذلك ستسعى الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الطابور من نظام لتنظيم الأجساد إلى مشروع شامل لإعادة هندسة الإنسان، عبر مقاربة سيميائية ثقافية تستقرئ العلامات الكبرى التي يبني النص من خلالها رؤيته الفلسفية والجمالية.

تعاقب الافعال ام فعل الانتظار

تنطلق زبيدة حسن رجا في مسرحية «الطابور» من بناء حدث درامي تقليدي يقوم على تعاقب الأفعال وتنامي الصراع بين الشخصيات، وإنما تؤسس منذ اللحظة الأولى نظامًا بصريًا وفكريًا يجعل من الطابور البنية المركزية التي تُنتج العالم المسرحي بأسره. فالطابور لا يُقدَّم بوصفه وسيلة لتنظيم حركة المنتظرين، بل باعتباره منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الإنسان، حيث يفقد الفرد تدريجيًا استقلاله لصالح نسق جمعي يفرض عليه طريقة الوقوف، وإيقاع الحركة، وحدود الكلام، بل وحتى طبيعة التفكير. ومن ثم لا يصبح الاصطفاف فعلًا عابرًا، وإنما طقسًا سلطويًا يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وذاته، ويحوّل الجسد إلى جزء من نظام هندسي صارم، فتغدو الدائرة التي تتحرك فوقها الشخصيات أكثر من مجرد عنصر سينوغرافي، إذ تتحول إلى استعارة بصرية لوجود يدور حول ذاته دون أن يمتلك القدرة على مغادرة المسار المرسوم له.

منذ المشهد الافتتاحي، تكشف الكاتبة عن طبيعة هذا النظام حين يمنح «النظامي» تعليماته للشخصيات، فلا يدعوها إلى الوقوف وفق منطق إنساني أو ترتيب طبيعي، وإنما يخاطبهم بقوله: «هيي.. هيي! الرجاء الوقوف في الصف حسب الترتيب الأبجدي للآمال…». لا تُقرأ هذه العبارة بوصفها موقفًا ساخرًا فحسب، بل تؤسس منذ بدايتها لخطاب سلطوي يجعل حتى الأحلام خاضعة للتصنيف الإداري، وكأن السلطة لم تعد تكتفي بتنظيم الأجساد، بل امتدت إلى تنظيم الرغبات نفسها. وهنا تتحول اللغة الإدارية إلى أداة لإعادة إنتاج الطاعة، لأن الإنسان لا يُطلب منه أن يحلم، وإنما أن يحلم وفق الشروط التي تسمح بها المنظومة، فيغدو الامتثال سابقًا على الحلم نفسه، ويتحول الأمل إلى ملف يمكن ترتيبه أو تأجيله أو استبعاده.

تزداد رمزية هذا الخطاب حين يعلن النظامي قانونًا جديدًا يقول فيه: «تم اعتماد قانون رقم (صفر)… كل من يتقدم خطوة يُخصم من صبره نصف عمر.» وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ يصبح التقدم سببًا للعقاب، بينما يتحول الثبات إلى فضيلة، وينقلب الانتظار من حالة مؤقتة إلى قيمة تفرضها السلطة على الجميع. وتكشف هذه الصورة عن طبيعة النظام الذي تبنيه المسرحية، فهو لا يمنع الحركة بالقوة، وإنما يعيد تعريفها، حتى يقتنع الإنسان بأن الجمود هو الطريق الوحيد للنجاة، وأن أي محاولة لتجاوز الصف ليست إلا خسارة إضافية من عمره. وبذلك لا تمارس السلطة هيمنتها عبر العنف المباشر، بل عبر إعادة تشكيل المفاهيم، فتجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه، ويصبح الخضوع جزءًا من قناعته الداخلية.

هنا تسجيل الموقف الاستعماري، فالمستعمرون أو المستبدون لا يحتاجون للحضور لأن الشخص المرئي يشهد على وجودهم في نوع جديد من “الدليل الوجودي”. يمكن تخيل نوع مختلف من الحكم المعدل للرؤية – مدينة فاضلة لجماعيتي كتلك التي أحصل عليها بأعمال المقاومة التي أقوم بها. تتضح هنا مدينة فاضلة: من الانفصالية، فضاء قومي ثقافي متحرر من النظرة الاستعمارية في رؤية منفصلة يسهل حمايتها والدفاع عنها.

إنها إمكانية الآخر أو تحويل فضاء السيطرة المرئي المفقود عند فوكوه أو نظرية الحداثة بصفة عامة حيث تلقى العلامات الاجتماعية إلى مسافة بعيدة وماضى لا يمكن العودة إليه عن طريق قوى العقل والحساب العالمية الجديدة. تبدو لغة أدبية من نوع مختلف تماما الشعار المناسب لعملية فوكوه الجديدة، لغة محبوسة في عالم مرئي وقياسي دون بديل.

لا يتوقف النص عند حدود ضبط الحركة، بل يمتد إلى السيطرة على الزمن ذاته، وهو ما يتجلى في النداءات المتكررة التي يبثها الصوت الآلي: «يرجى البقاء في أماكنكم… نحن نقترب.» وتقوم المفارقة هنا على أن الاقتراب لا يتحقق أبدًا، وإنما يبقى وعدًا مؤجلًا يعيد إنتاج الانتظار في كل مرة. وهكذا يتحول الزمن من عنصر يقود الشخصيات نحو غاية محددة إلى دائرة مغلقة تستنزف أعمارهم دون أن تمنحهم إمكانية الوصول، فيصبح المستقبل مجرد أداة لإدامة الحاضر، ويغدو الانتظار غاية في ذاته لا وسيلة لبلوغ شيء آخر. ومن خلال هذه التقنية ينجح النص في تحويل الزمن إلى إحدى أدوات السلطة، لأن الوعد المؤجل أكثر قدرة على إخضاع الإنسان من المنع الصريح.

تبلغ الرؤية الفلسفية للمسرحية أقصى درجاتها في كلمات الشيخ حين يقول: «نحن لا نتحرك، نحن فقط نتآكل ببطء… بعد الصفر بقليل.» فهذه العبارة لا تصف حال الشخصيات داخل الطابور فحسب، وإنما تقدم قراءة وجودية لحياة الإنسان حين يخضع لمنظومة الانتظار الدائم. فالحركة التي تبدو ظاهرة ليست سوى دوران حول الفراغ، والزمن الذي يمر لا يصنع خبرة، بل يستهلك العمر، أما الصفر فلا يعود رقمًا رياضيًا، بل يتحول إلى رمز لبداية مؤجلة لا تتحقق، ولوجود جُرِّد من قدرته على الفعل. وهكذا يصبح الطابور في المسرحية نموذجًا مصغرًا للعالم المعاصر، حيث تتخفى السلطة داخل اللوائح والإجراءات والتعليمات، بينما يُعاد تشكيل الإنسان بهدوء حتى يفقد إحساسه بأنه كان يمتلك يومًا حق الاختيار.

ثانيًا: المكان الذي يراقب ساكنيه وإعادة إنتاج السلطة :

لا تؤدي السينوغرافيا في مسرحية «الطابور» وظيفة جمالية أو ديكورية، بل تتحول إلى بنية دلالية منتجة للمعنى، إذ يتجاوز المكان حدود الاحتواء الفيزيائي للشخصيات ليغدو سلطة قائمة بذاتها، تراقب، وتُصنف، وتختبر، وتعيد تشكيل الموجودين داخله. فالخشبة ليست فضاءً محايدًا تدور فيه الأحداث، وإنما جهازًا رمزيًا تتحول فيه الأشياء الجامدة إلى فواعل درامية تمتلك سلطة تتجاوز سلطة الشخصيات نفسها. لذلك تتعمد زبيدة حسن رجا أن تُفرغ المكان من معالمه الواقعية، فلا اسم له ولا تاريخ ولا حدود جغرافية، ليصبح قابلًا لأن يمثل أي مؤسسة أو مجتمع أو منظومة تُدار بمنطق الإجراءات أكثر مما تُدار بمنطق الإنسان. وبهذا يتحول الفضاء المسرحي إلى صورة مصغرة للعالم المعاصر الذي لم تعد السلطة فيه تسكن القصور أو المكاتب، بل استوطنت الأنظمة، والأجهزة، واللوائح، والإشارات، حتى أصبح الإنسان محاصرًا بمنظومة تراقبه من خلال الأشياء أكثر مما تراقبه من خلال الأشخاص.

وتكشف الكاتبة عن هذه الرؤية عبر الضوء الذي يتسلل من أسفل الباب، وهو عنصر يبدو في ظاهره حاملًا لمعنى الخلاص، غير أن الشيخ يفكك هذه الدلالة التقليدية حين يقول: «ليس كل ضوءٍ بشارة… بعضه يحفر قبورًا للأمل، ويُنبت على العتبات ظلالًا تسخر من المارّين.» فالنور هنا لا يؤدي وظيفته المعتادة بوصفه رمزًا للهداية أو الانكشاف، بل يتحول إلى علامة مضللة، لأن السلطة تدرك أن الوعد أكثر فاعلية من المنع، وأن الإبقاء على خيط من الضوء تحت الباب يكفي لاستمرار الطابور في الانتظار. لذلك لا يفتح الباب، ولا يتقدم الضوء إلى الداخل، وإنما يبقى معلقًا عند العتبة، وكأنه يصنع أفقًا كاذبًا يضمن استمرار الخضوع. ومن هنا يغدو الضوء نفسه جزءًا من منظومة السيطرة، لأنه لا يكشف الحقيقة، بل يؤجلها، ويغذي الوهم بدل أن يبدده.

ويؤكد النظامي هذا المعنى حين يقطع تأمل الشخصيات في الضوء بقوله: «تراجعوا! الضوء… ليس دعوة للعبور؛ بل إشارة لانتظام الطابور.» وتكشف هذه الجملة عن انقلاب الدلالة؛ فالضوء الذي ارتبط تاريخيًا بالحرية يتحول إلى أداة لضبط النظام، وبذلك تعيد السلطة تفسير العلامات وفق مصالحها، فلا يعود الرمز ملكًا للوعي الإنساني، وإنما يصبح جزءًا من خطابها الرسمي. وهنا تتجلى براعة الكاتبة في إظهار أن أخطر أشكال الهيمنة ليست منع الإنسان من رؤية الحقيقة، بل إخباره بما ينبغي أن تعنيه الحقيقة.

وتبلغ سيميائية المكان ذروتها مع ظهور الميزان، الذي لا يقيس الوزن الفيزيائي، بل يقيس قيمة الإنسان داخل المنظومة. فعندما تصعد أم الصبر إلى الميزان يعود المؤشر إلى الصفر، فتصرخ بدهشة: «صفر؟! أنا وزنت نفسي، أم وزن ظلي؟!» ولا تنبع قوة هذا المشهد من المفارقة الساخرة فحسب، بل من كشفه لانهيار معايير القياس كلها؛ إذ لم يعد الإنسان يُقاس بما يحمله من ذاكرة أو ألم أو تجربة، وإنما بما تعترف به المنظومة. ولهذا تحمل أم الصبر سلتها المليئة بذكرياتها وصور ابنها المهاجر وآلام عمرها، وتقول: «ورغم خفتها؛ لكنها – والله – ثقيلة… ثقيلة على قلبي.» غير أن الميزان يعيدها إلى الصفر مرة أخرى، في إعلان رمزي بأن السلطة لا تعترف بوزن الذاكرة، ولا تقيس الأوجاع الإنسانية، وإنما تقيس فقط ما يدخل ضمن معاييرها الجامدة.

ومن أعمق المشاهد السيميائية في المسرحية مشهد آلة مسح الأحذية، إذ تتحول من أداة تنظيف إلى جهاز لتطهير الذاكرة. فالصوت الآلي يعلن: «لا عبور دون تنظيف… كل فكرة تبدأ من القدم.» ثم يضيف النظامي: «بموجب اللائحة الجديدة للطابور… تقرر المنظومة حذف أي دور لمن يرتدي حذاء يحمل معه بقايا مشكوك فيها.» وهنا تبلغ المسرحية ذروة رمزيتها؛ فالحذاء الملطخ بطين الوطن لا يمثل مجرد شيء مادي، بل يصبح حاملًا للذاكرة والهوية والانتماء، ولذلك يصبح تنظيفه شرطًا للعبور، أي إن العبور لا يتحقق إلا بعد محو أثر الوطن. ولهذا يسخر الخبير قائلًا: «آه… منظومة تفكر في النعل أكثر من العقل.» وهي جملة تختزل فلسفة النص بأكمله؛ إذ تشير إلى أن السلطة الحديثة تهتم بمظاهر الامتثال أكثر من جوهر الإنسان، وتراقب الأثر الخارجي أكثر من الفكرة.

“ كثرة الإشارات الزمنية من كل نوع، سواء كان زمنًا خياليًا داخل القصة أو ثوابت زمنية خارجية – زمن الكم أو الكيف وفقا للظروف، لو أردنا أن نستعير تعبير برجسون Bergson للتمييز بينهما – إن الزمن ذا الصبغة الوجدانية يسمى بالزمن “الوجودي” كما يقول جاستون برجيه زمن وعى شخص ما، أو إن شئنا شخصين مسرحيين. إن ذلك يقودنا إلى دراسة التعامل مع الزمن فى هذه الأعمال.

لا يكتمل هذا النسق إلا مع النهاية، حين تتحول الآلات الأربع ـ الطابعة، والميكروفون، والميزان، وآلة مسح الأحذية ـ إلى أوركسترا ميكانيكية تعمل في وقت واحد، بينما يردد صوت الشيخ: «لا عبور دون طباعة… ولا طباعة دون صوت… والصوت دون وزن… ولا وزن دون مسح… ولا مسح دون خلع… ولا خلع دون نسيان.» وتكشف هذه السلسلة عن أن السلطة لا تكتفي بإدارة الإنسان، بل تعيد بناءه مرحلة بعد أخرى؛ فتطبعه، ثم تمنحه الصوت الذي تريده، ثم تزن قيمته، ثم تمحو آثاره، ثم تطالبه بالنسيان. وبذلك يتحول المكان المسرحي إلى مصنع لإنتاج الإنسان المعياري، الذي لا يملك من ذاته سوى ما تسمح به المنظومة، بينما يغدو الطابور فضاءً

دائريًا لإعادة إنتاج الخضوع جيلاً بعد جيل، وهو ما تؤكده العبارة الختامية التي يطلقها مكبر الصوت: «ابدأ من البداية… نهاية الدائرة هي أول الطين.»

الخاتمة:

تكشف مسرحية «الطابور» لزبيدة حسن رجا عن وعي جمالي وفكري يتجاوز حدود المعالجة المباشرة لقضية الانتظار، لتؤسس خطابًا مسرحيًا يستنطق البنى العميقة للسلطة الحديثة، ويعيد مساءلة العلاقة بين الإنسان والمنظومات التي تتحكم في وجوده. فالمسرحية لا تنشغل بوصف البيروقراطية أو السخرية منها بوصفها ظاهرة إدارية فحسب، وإنما تحولها إلى استعارة ثقافية كبرى تكشف الكيفية التي تُصنع بها الطاعة، ويُعاد تشكيل الوعي، ويُختزل الإنسان تدريجيًا إلى رقم، أو وزن، أو أثر قابل للمحو. ومن ثم يصبح الطابور أكثر من فضاء للانتظار؛ إنه منظومة مغلقة لإعادة إنتاج الإنسان وفق شروط السلطة، حيث لا تُمارس الهيمنة بالقوة المباشرة، وإنما عبر اللغة، واللوائح، والأجهزة، والطقوس اليومية التي تبدو في ظاهرها محايدة، بينما تخفي في عمقها مشروعًا متكاملًا لإعادة هندسة الذات الإنسانية.

وقد استطاعت الكاتبة أن تحقق هذه الرؤية من خلال بناء درامي شديد الكثافة، يقوم على الاقتصاد في الحدث مقابل الثراء في العلامة المسرحية، فغدت الشخصيات نماذج ثقافية أكثر منها أفرادًا، وتحولت السينوغرافيا إلى شريك أساسي في إنتاج المعنى، ولم تعد الطابعة، والميكروفون، والميزان، وآلة مسح الأحذية مجرد مفردات ديكورية، بل غدت أجهزة رمزية تمارس فعلها السلطوي داخل الفضاء المسرحي، وتشارك في إعادة تشكيل الشخصيات وإخضاعها. كما أسهمت اللغة ذات الطابع الشعري والعبثي في تعميق البعد الفلسفي للنص، إذ انفتحت على مستويات متعددة من التأويل، وجعلت من السخرية وسيلة لكشف المأساة، ومن المفارقة أداة لفضح منطق السلطة الذي يحوّل الإنسان إلى كائن يعيش داخل دائرة لا تنتهي.

كما أظهرت الدراسة أن المسرحية تعيد تعريف مفهوم الانتظار؛ فلا تقدمه بوصفه حالة زمنية مؤقتة، وإنما بوصفه استراتيجية سلطوية تستنزف الإنسان دون أن يشعر، حيث يتحول الزمن إلى أداة للهيمنة، ويصبح الوعد بالعبور أكثر فاعلية من العبور نفسه، بينما تغدو النهاية الدائرية إعلانًا عن استمرارية النظام وقدرته على إعادة إنتاج ذاته بصورة لا نهائية. ومن هنا جاءت العبارة الختامية: «ابدأ من البداية… نهاية الدائرة هي أول الطين» لتكثف الرؤية الفلسفية للنص، إذ تلغي فكرة النهاية، وتجعل كل بداية امتدادًا لدورة جديدة من الخضوع وإعادة الاصطفاف، في تأكيد أن السلطة لا تنتهي بانتهاء الأشخاص، وإنما تستمر عبر إعادة إنتاج آلياتها وأنساقها.

صوت الشيخ: “في البدء كانت الأقدام…

ثم خُلق النظام من أثَرِها”.

(صمت قصير)

“من بقي في الطابور.. لن يتعرّف على الباب إن فُتح؛ لأنه نسي كيف يخرج …..

ومن نسبيّ فكرة الطّين؛ لا يحقّ له عبور الضّوء”

تؤكد هذه القراءة أن «الطابور» تنتمي إلى النصوص المسرحية العربية التي استطاعت أن توائم بين العمق الفكري والجماليات المسرحية، وأن توظف تقنيات المسرح العبثي والسيميائيات المسرحية والنقد الثقافي لإنتاج خطاب درامي يلامس أسئلة الإنسان المعاصر في علاقته بالسلطة والهوية والذاكرة والحرية. كما تكشف عن قدرة زبيدة حسن رجا على بناء نص متعدد الطبقات الدلالية، يسمح بقراءات متنوعة، ويمنح المتلقي دورًا فاعلًا في إنتاج المعنى، وهو ما يجعل المسرحية تتجاوز حدود ظرفها الإبداعي لتغدو نصًا مفتوحًا على أسئلة الواقع العربي والإنساني، في زمن أصبحت فيه السلطة أكثر خفاءً، وأكثر قدرة على إدارة الإنسان من خلال تفاصيل حياته اليومية، حتى يغدو الطابور صورة رمزية لعالم يعيد ترتيب الأفراد باستمرار، لكنه يعجز عن إعادة الاعتبار لإنسانيتهم.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية