أي سردية وطنية لما بعد الحرب؟
قراءة في نص مسرحية “حصان البياحة” للدكتور يوسف عيدابي
هبة حسن صالح
قبل 50 عاما وقف د. يوسف عيدابي على خشبة المسرح القومي متكئاً على التاريخ وطرح سؤالاً جوهرياً كتلك الاستفاهمات التي طرحتها الفترة التي طرحت سوال الهوية بين تيار المدارس الغابة والصحراء الأدبية ولكن منها انطلق د.عيدابي مولفا وكاتبا ومخرجا وشاعرا مسرحيا من التيارين الي تيار الافروعربي الذي يقصد الجمع بين الغابة وتتمثل في الافريقي السحنة والعربي اللسان والثقافة والدين الاسلامي.
لم يكن سؤالاً ثنائياً، بل كان دعوة لمواجهة الذات الجمعية فكانت مساهمته ومنطق فكره افروعرب وحصانه الرابح يخلق تماسكا ونسيجا اجتماعيا مدي الحياة.
واليوم وبعد نصف قرن انكسرت الخشبة وسقط الستار وتشرد الجمهور، وظل السؤال قائماً في قلب الأزمة السودانية. غير أن كلفة الإجابة صارت باهظة دماء ونزوح ودموع.
هنا يتجلى جوهر مشروع عيدابي .
لم يكن مشروع “مسرحيات تاريخية” فحسب بل كان مشروع وعي جمعي بأمة وتراث وطقس يمارس وتاريخ.
عندما أُسس “مسرح عموم أهل السودان” في 1974 سعى إلى هدفين مركزيين:
أولاً : تفكيك الثنائية الزائفه حيث انه لا وجود لـ “عرب أصليين” مقابل “أفارقة أصليين”. ثمة سودانيون تتشكل هويتهم من امتزاج الغابة والصحراء. وإنكار أحد المكونين يعني ثبوت العرق الواحد وتهميش الآخر أو سقوطه نهائيا.
ثانياً: تحويل المسرح إلى “مرآة وعلاج”. لا للهروب من الواقع بل نعم لمواجهته ومن هنا استدعاء التاريخ وتوظيفه “في مسرحيته (حصان البياحة) من تاريخ مملكة الفونج لا لسرد تاريخ المملكة بل لطرح أسئلة السلطة والعدالة والهوية في الحاضر مستشرفا للمستقبل ومستفيدا من ماضي بشكل نصا وواقعية، ايدلوجيا أفشلت السياسة مشروع عيدابي عمدا لأنها ضد مشروع سياسة فرق تسد, اختزلته إلى “فلكلور” و “تراث” ووضعته علي قائمة الانتظار حياء و قائمة واده سرا. في حين أنه كان تشخيصاً مبكراً لأزمة نعيش تداعياتها الوطن وهو في متاهته.
خطاب الكراهية الذي يملأ الفضاء الإعلامي هو النتيجة المباشرة لعدم الرؤية الجادة “مسرح عموم أهل السودان” في التحول إلى خطاب عام والحرب هي المحصلة الحتمية لتجاهل سؤال ( أي سردية وطنية نريد ؟ ) وترك كل طرف يصوغ سرديته الخاصة وهذه الأطراف تم تاطيرها في قبيلة مكونات وأشياء متفرقة من مسميات المجتمع ذات العرق واللون والانتماء.
لذلك فإن إعادة عرض (حصان البياحة) اليوم ليست استدعاء لمسرحية إنما استئناف لمشروع تأجل نصف قرن مشروع يقول:” قبل بناء الدولة لا بد من بناء “نحن””.
كيف أفشلت السياسة المشروع وحولته من “علاج” إلى “هامش”
لم يمت مشروع “مسرح عموم أهل السودان” من تلقاء ذاته لقد جرى إفشاله تدريجياً عبر ثلاث آليات:
1. سياسات الإقصاء الثقافي: عندما صار المسرح خارج أولويات الدولة
منذ 1974 وحتى اليوم تعاملت الدولة مع المسرح باعتباره “ترفيهاً فقط”.
قال عيدابي إنه يريد معالجة الهوية عبر الخشبة. فردت الدولة “اتركوا الخشبة وتعالوا إلى القاعات المغلقة”.
وكانت النتيجة انفصال الخطاب السياسي عن الخطاب المسرحي فتحولنا من التصالح في الصالة إلى الاحتراب في الشاشة .
ونسوا أن المسرح يبني أمة
2. تواطؤ النخب الخطابية (مشروع حالم وخيال فنان) استبعاد رؤي وحلول الفنانين والمبدعين اعتمادا علي من يدخل المال في خزينة الدولة يستحق الاصغاء والرعاية. تعاملت قطاعات واسعة من النخب مع مشروع عيدابي على أنه (طوباوي) .
فسرت ثنائية “الغابة والصحراء” على أنها شعارات بينما الواقع هو صراع موارد وسلطة ووجود واستمرارية كان يمكن استقراءها وحالة الصراع لو اهتمت الدولة بمشروع (مسرح عموم أهل السودان).
وهذا فهم قاصر فعيدابي لم ينكر الصراع بل حذر (ما لم نحسم إشكالية “من نحن” أولاً، سيتحول أي تقسيم للموارد إلى حرب)
و المؤسف أنه قد صدقت نبوءته فكل اتفاقية سلام خلت من سردية جامعة علي كلمة مجتمع متحضر ينشد السلام والاستقرار فالكل ينشد العنف بالسلاح والتكتلات العسكرية وليست الثقافة والفنون من ضمنها لذلك انهارت خلال سنوات قليلة.
3. استسهال الجمهور لخطاب الكراهية من خلال تبادله علي وسائط ووسائل التواصل الاجتماعي وحتي من خلال المجتمع وبعيدا عن دور المسرح الإنساني وتراثنا فيه.
فخطاب الكراهية أيسر من المسرح ذاته، فهناك تغريدة اختزالية تحصد آلاف التفاعلات.
فيما مسرحية تمتد لثلاث ساعات وتسأل “من أنت” تتطلب جهداً فكرياً وعاطفياً وفنياً.
فاختار الجمهور الأسهل: منطق “نحن في مواجهتهم” بدلاً من منطق “نحن جميعاً”.
النتيجة أن “حصان البياحة” بعد نصف قرن لا تزال تطرح السؤال ذاته.
لأن المشروع لم يكتمل أوقفته السياسة في منتصف الطريق. حولته من مشروع دولة ومجتمع إلى مشروع نخبة مركزية، وعندما اندلعت الحرب لم نجد آلية جمعية لمعالجة الصدمة.
قراءة نقدية ….
إن فككنا مشروع عيدابي بوصفه “نصاً مسرحياً كبيراً” نجده يقوم على ثلاث مرتكزات:
1. البنية (المسرح كطقس مواجهة)
قلب عيدابي وظيفة المسرح من معادلة (متفرج + خشبة + وهم) إلى معادلة (شهود + مرآة + مواجهة ذات) .
(حصان البياحة) لا تحكي عن الملك بادي بل تستدعي “الملك” كرمز للسلطة لتسأل الجمهور من الملك الآن ؟
إنه (تغريب بريختي) سوداني يكسر الاندماج السلبي ويدفع نحو السؤال.
2. اللغة (ازدواجية الغابة والصحراء) كفضاء درامي
أنشأ عيدابي لغة ثالثة تمزج إيقاع الدوبيت وبلاغة الفصحى ورموز الميثولوجيا المحلية. وهو تهجين لغوي يهدف إلى صياغة هوية سمعية جديدة.
الحصان هنا استعارة للسلطة المتحركة والبياحة سؤال عن شرعية الإنتقال والحكم.
3. الوظيفة (المسرح كعقد اجتماعي)
أخطر ما في المشروع هو أن عيدابي ينظر للمسرح باعتباره (عقداً)، فمجرد الجلوس في الصالة يعني الموافقة على مواجهة الآخر لساعتين بلا سلاح إنها بروفة للمواطنة.
(مسرح عموم أهل السودان) = محاولة لصناعة “جمهور وطني” قبل “دولة وطنية”.
الخلل أنه كان النص قوياً لكن غياب الدولة حرم العرض من الخشبة والصالة والأمان فتحول من “عرض جماهيري” إلى “نص نخبوي”.
الخاتمة أي سردية بعد الحرب؟
نعود إلى السؤال الذي توقفنا عنده قبل 50 سنة
(نحن غابة أم صحراء؟)
لم تغير الحرب السؤال بل جعلت الإجابة عليه مسألة وجود لأن أي مشروع سياسي مقبل خالٍ من إجابة على هذا السؤال ستكون تكراراً للفشل.
هنا يستعيد مشروع عيدابي كامل أهميته.
“مسرح عموم أهل السودان” لم يكن يهدف إلى تقديم إجابات جاهزة بل إلى خلق “الفضاء” الذي نتفاوض فيه على الإجابة.
كانت الخشبة هي “العقد الاجتماعي” المؤقت. نجلس فيها، نواجه “الآخر” في عينه وندرك أن مصيرنا مشترك .
يقول النقد :”لقد أفشلناه”.
ويقول الواقع :”لا نملك ترف إعادة الإفشال”
قدم عيدابي التشخيص منذ 1974.
والكرة اليوم في ملعبنا.
إما أن نبني مسرحاً جديداً نسأل فيه “من نحن” أو نواصل في “ميدان المعركة” ونسأل “من الباقي منا” والفرق بين الخيارين هو الفرق بين وطن وبين ذكرى وطن .
(حصان البياحة) بعد نصف قرن تقول لنا:” الحصان ما زال واقفاً فمن يقوده ؟ وإلى أين يتجه؟”.

1. المؤلف
الدكتور يوسف عيدابي أديب وناقد ومسرحي سوداني، يُعد من رواد تأسيس المسرح السوداني الحديث. قام بتأليف مسرحية “حصان البياحة” عام 1974، وتُشكل هذه المسرحية محطة مهمة في مشروعه الذي دعا من خلاله إلى إيجاد مسرح سوداني أصيل يخاطب كل فئات الشعب.
2. الإطار التاريخي
تعود أحداث المسرحية إلى حقبة مملكة الفونج في السودان. لم يكن توظيف التاريخ هدفاً في حد ذاته، بل اتخذه الكاتب إطاراً لاستعراض وتحليل البنية الاجتماعية والسياسية السائدة في تلك المرحلة، وذلك عبر لوحات مسرحية متعاقبة.
3. الفكرة والمضمون
يعالج النص إشكاليات السلطة والعدالة والدين والأعراف الاجتماعية، إضافة إلى صورة المرأة في المجتمع.
ويكشف عن حالة الصدام بين منطق القوة ومنطق الحق، ويطرح تساؤلات جوهرية حول الهوية السودانية.
وتأتي المسرحية ضمن تيار “الغابة والصحراء” الذي أسسه عيدابي، والذي سعى إلى تحقيق التلاقي والانصهار بين المكون الأفريقي والعربي في الثقافة السودانية.
4. الأسلوب الفني
استند عيدابي إلى الموروث الشعبي والتاريخ السوداني، وجعل منه أداة للنقد والمساءلة. تميزت لغته بطابعها الشعري، وجاء بناؤه المسرحي تجريبياً يزاوج بين الواقعية والترميز.
وتظل مسرحية “حصان البياحة” تساؤلاً جمعياً حول المصير في السودان، واستفهاماً مصيرياً حول أي سردية وطنية يجب أن نبدأ بها.
*هبة حسن صالح/ باحثة وناقدة مسرحية سودانية

