مقالات

وفاء الطبوبي: من وعد البدايات إلى تشكّل المشروع المسرحي

حامد محضاوي

 

ليست كلّ التجارب المسرحية قابلة لأن تُقرأ بوصفها مشروعا. كثير من العروض تحقّق نجاحا لافتا ثم تتلاشى، وكثير من الأسماء تفرض حضورها لموسم أو موسمين قبل أن تنطفئ. أما المشروع فهو شيء آخر؛ إنّه القدرة على تحويل المنجز الفردي إلى مسار، وتحويل النجاح العابر إلى رؤية تتبلور ملامحها من عمل إلى آخر.

ولعلّ من أكثر الأحكام النقدية استعجالا أن يُقاس المخرج بعرض واحد، سواء كان ذلك العرض ناجحا أو مخيّبا. التجربة الفنية لا تُختزل في لحظة منفردة، كما لا يمكن أن تُختصر في تتويج أو في تعثّر ظرفي. قد ينجح عرض لأسباب عديدة لا تتّصل بالضرورة بامتلاك رؤية فنية متماسكة، وقد يتعثّر عرض آخر داخل مسار لمبدع يواصل بناء مشروعه بثبات. لذلك ظللت أعتقد أنّ النجاح الحقيقي للمخرج أو المخرجة لا يقاس بعرض ناجح أو فاشل، بل بمسار كامل، وبقدرته على إنتاج أسئلته الخاصة، وتطوير أدواته الجمالية، والمحافظة على خيط فكري وفني يمكن تتبّعه عبر أعماله المختلفة.

ما يمنح التجربة قيمتها ليس عدد النجاحات التي تحقّقها، وإنّما قدرتها على الاستمرار في إنتاج المعنى. المشروع المسرحي لا يولد مع العرض الأول، بل يتشكّل تدريجيا عبر التراكم، وعبر ذلك الحوار الطويل الذي يقيمه الفنان مع هواجسه وأسئلته ومع العالم من حوله. ولهذا لا يصبح الحديث عن مشروع مشروعا إلّا عندما نكتشف، بعد أكثر من تجربة، أنّ ما يجمع الأعمال ليس مجرّد تشابه في الموضوعات أو الأساليب، بل وجود رؤية عميقة تعود في كلّ مرّة بصيغ جديدة.

من هذا المنطلق تحديدا يمكن الاقتراب من تجربة المخرجة التونسيّة «وفاء الطبوبي». القضية هنا لا تتعلّق بعرض لاقى نجاحا أو بعمل حصد جوائز أو أثار اهتمام النقّاد، وإنّما بمسار أخذ ينكشف تدريجيا عبر مسرحيّات: “الأرامل”، “آخر مرّة”، “الهاربات”، إلى درجة أصبح معها ممكنا الحديث عن مشروع مسرحي يمتلك ملامحه وأسئلته وأفقه الجمالي الخاص داخل المشهد المسرحي التونسي.

حين شاهدت مسرحية الأرامل خلال مهرجان أيّام قرطاج المسرحية (2017)، خرجت بانطباع يتجاوز حدود الإعجاب بعرض مسرحي ناجح. شعرت يومها أنّنا أمام باب يُفتح على تجربة جديدة في المسرح التونسي. لم يكن ذلك حكما نهائيا، بل حدسا نقديا. الزمن وحده قادر على اختبار صدقية الانطباعات الأولى. لكن ما كشف عنه العرض من وعي جمالي ومن قدرة على بناء عالم مسرحي متماسك جعلني أعتقد أنّ الأمر لا يتعلّق بعمل عابر.

واليوم، وبعد متابعة الأعمال اللّاحقة، أجد أنّ ذلك الحدس لم يكن متسرّعا. ما راكمته وفاء الطبوبي خلال السنوات الماضية يجعل الحديث عن سمات مشروع أمرا مشروعا في حد ذاته. بل إنّ العودة إلى الأرامل اليوم تكتسب أهمية خاصّة، لأنّ هذا العمل يبدو عند إعادة قراءته في ضوء ما تلاه أشبه بالنص التأسيسي للتجربة كلّها.

كانت المسرحية مقتبسة عن نص الكاتب التشيلي «أرييل دورفمان»، أحد أبرز النصوص المسرحية التي اشتغلت على الذاكرة الجريحة وآثار القمع والاختفاء القسري. غير أنّ ما استوقفني في معالجة وفاء الطبوبي لم يكن نجاحها في تقديم نص عالمي معروف، بل قدرتها على تحريره من خصوصيّته السياسية والتاريخية الضيّقة وإعادة بنائه داخل أفق إنساني أوسع.

العرض لم يتعامل مع الأرامل بوصفهن ضحايا نظام سياسي بعينه، بل بوصفهن ذواتا تواجه تجربة الفقد في أكثر صورها عمقا. لقد تحوّلت الأرملة من وضع اجتماعي إلى استعارة وجودية، وتحوّل الغياب من حدث سياسي إلى سؤال إنساني. لم تعد القضية قضية نساء ينتظرن عودة المفقودين فقط، بل قضية كائنات تحاول أن تعيد بناء معنى الحياة بعد انهيار أحد أعمدتها الأساسية.

وهنا تحديدا ظهرت أولى العلامات الفارقة في تجربة وفاء الطبوبي: مقاومة الاختزال. كان بإمكان العرض أن يتحوّل إلى خطاب سياسي مباشر أو إلى مرافعة أخلاقية ضد العنف والحروب، لكنّه اختار طريقا أكثر تعقيدا. لقد بحث عما يحدث داخل الإنسان لا عما يحدث حوله. لم يكن منشغلا بالحدث بقدر انشغاله بأثر الحدث، ولم يكن معنيا بالواقعة بقدر عنايته بالندبة التي تتركها داخل الذاكرة.

ومن هذه الزاوية تبدو الأرامل العمل الذي أعلن منذ البداية عن أحد أهم رهانات الطبوبي: الانتصار للأسئلة على حساب الشعارات. كما كشف عن ميل واضح إلى تحويل القضايا الاجتماعية والسياسية إلى أسئلة وجودية أرحب. الحرب ليست مركز الحكاية، والموت ليس موضوعا في ذاته، والغياب ليس غاية العرض، بل كلّها مداخل للتفكير في الإنسان حين يجد نفسه أمام فراغ لا يملك تفسيره.

وإذا كانت أعمالها اللّاحقة قد عمّقت هذا الخيار، فإنّ جذوره كانت واضحة منذ تلك التجربة الأولى. الشخصيات عندها لا تُستخدم لإثبات أطروحات جاهزة، بل تُمنح الحق في أن تكون متناقضة وهشّة وملتبسة. ولذلك لا تظهر المرأة في الأرامل ضحية مطلقة ولا بطلة مطلقة، بل إنسانا يحاول أن يتعايش مع خسارته وأن يجد شكلا ممكنا للاستمرار.

عندما شاهدت عرض “آخر مرّة” في إطار المهرجان الوطني لمسرح التجريب بمدنين (2022) أدركت أنّ المشروع لم يكن بصدد تكرار نفسه، بل بصدد توسيع أسئلته. ففي مقال نشرْتُه بموقع اندبندنت عربية (16 أوت 2023) تحت عنوان «آخر مرّة تحرّر الصراع الذكوري النسوي من الشعارات» توقّفت عند قدرة العرض على تجاوز ثنائية الرجل والمرأة بوصفها مواجهة أيديولوجية جاهزة، وكتبتُ أنّ العمل “يسقط معادلة التلقين في مستوى الموضوع، وينتصر لرهان البحث عن ماهية ما”.

كلّما تأمّلت تجربة وفاء الطبوبي أكثر ازددت اقتناعا بأنّ هذه العبارة لا تخصّ عرض آخر مرّة وحده، بل تكاد تختصر جوهر مشروعها كلّه. فما شدّني في العرض لم يكن موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة، بل الطريقة التي رفض بها الانخراط في الاقتصاد الخطابي السائد الذي يحوّل هذه العلاقة إلى معسكرين متقابلين. لم تكن الطبوبي بصدد الدفاع عن المرأة ضد الرجل، ولا بصدد تبرئة الرجل من تاريخه الرمزي، بل كانت تعمل على تفكيك البنية التي تجعل هذا التقابل ممكنا أصلا.

ولهذا السبب لم يتحوّل العرض إلى منصة للمرافعة أو للخطابة، بل إلى فضاء للتساؤل. لم يكن معنيا بإنتاج موقف جاهز بقدر ما كان معنيا بزعزعته. وقد بدا لي آنذاك أنّ العرض لا ينتصر للرجل ولا للمرأة بقدر ما ينتصر للإنسان، وهي فكرة أراها اليوم مفتاحا أساسيا لفهم التجربة بأكملها.

ففي الأرامل كان السؤال: كيف يعيش الإنسان مع الغياب؟ وفي آخر مرّة أصبح السؤال: كيف يمكن تجاوز الهويات الجاهزة والتصنيفات المغلقة للوصول إلى الإنسان خلفها؟ وهنا تبدأ معالم المشروع في الوضوح أكثر فأكثر، لأنّنا لسنا أمام مواضيع متفرّقة، بل أمام حركة فكرية تنتقل من سؤال إلى آخر مع احتفاظها بجذرها الإنساني العميق.

كما توقّفتُ في تلك القراءة عند قدرة الطبوبي على تحقيق معادلة السهل الممتنع. فقد كان العرض بعيدا عن الإبهار الفكري المفتعل وبعيدا في الوقت نفسه عن التبسيط المخل. كانت الأفكار حاضرة في صميم العلاقات الدرامية لا فوقها، وكانت الأسئلة تتولّد من المواقف المسرحية نفسها لا من خطابات مباشرة أو مرجعيات مستعرضة.

وهذه السمة ليست تفصيلا عابرا، بل جزءا من طبيعة المشروع ذاته. وفاء الطبوبي لا تراهن على تعقيد المعنى بقدر ما تراهن على كثافته. ولا تبحث عن الغموض بوصفه قيمة جمالية في ذاته، بل عن الوضوح الذي يظل قابلا للتأويل.

وإذا كانت الأرامل قد اشتغلت على الإنسان في مواجهة الغياب، وآخر مرّة قد اشتغلت على الإنسان في مواجهة التصنيفات والهويّات المغلقة، فإنّ الهاربات مثّلت خطوة أخرى داخل هذا المسار، حيث انتقلت الأسئلة من موضوعاتها الجزئية إلى مساءلة الشرط الذي يجعل العالم نفسه قابلا للفهم.

أهمّية الهاربات داخل مشروع وفاء الطبوبي لا تكمن فقط في استمرار الأسئلة نفسها، بل في التحوّل الذي يطرأ على طبيعة هذه الأسئلة. ففي مقال نشرْتُه مؤخّرا بصحيفة العرب (6 جوان 2026) تحت عنوان «مسرحية الهاربات: انهيار اليقين وإعادة تشكّل المعنى» أشرت إلى فرضية أساسية يقوم عليها العرض كلّه: “العالم لم يعد قابلا للفهم باليقينيات نفسها التي كانت تنظّمه سابقا”.

الهروب لم يبقى مجرّد انتقال من وضع إلى آخر، ولا مجرّد رغبة في الخلاص من ضغط اجتماعي أو نفسي، بل أصبح أثرا لحالة أعمق تتعلّق باهتزاز العلاقة بالعالم نفسه. الشخصيات لا تواجه أزمة ظرفية، بل أزمة تمس شروط الفهم ذاتها. إنّها لا تعيش داخل واقع مضطرب فحسب، بل داخل عالم يفقد تدريجيا بداهته وقدرته على إنتاج معنى مستقر.

ولذلك تغيّر السؤال المركزي من كيف نهرب؟ إلى كيف نفهم العالم حين يفقد يقينيّاته الأولى؟

وتكتسب وضعية الانتظار داخل العرض أهمّية خاصة من هذه الزاوية. الانتظار لا يشتغل بوصفه زمنا فاصلا بين لحظتين، بل بوصفه حالة إدراكية معلّقة. الشخصيات لا تنتظر حدثا بعينه بقدر ما تعيش داخل فراغ تأويلي، حيث لم يعد الماضي قادرا على تفسير الحاضر، ولا المستقبل يعد بشيء واضح، ولم يعد الحاضر نفسه يملك ما يكفي من التماسك لفهم ما يجري داخله.

بهذا المعنى انتقلت الطبوبي من سؤال الفقد الذي كان حاضرا في الأرامل، ومن سؤال الهوية الذي كان حاضرا في آخر مرّة، إلى سؤال أكثر جذرية يتعلّق بانهيار اليقين نفسه. وإذا كانت شخصيات الأرامل تحاول العيش مع غياب معلوم المصدر، فإنّ شخصيات الهاربات تواجه شيئا أكثر التباسا: إنّها تواجه عالما يفقد مرجعيّاته وقدرته على تثبيت المعنى.

ولا يأتي هذا الاشتغال الفلسفي عبر خطابات مجرّدة، بل يتجسّد داخل البناء المسرحي نفسه. التعدّد الاجتماعي للشخصيات لا يهدف إلى رسم لوحة اجتماعية، بل إلى الكشف عن أنّ الأزمة تتجاوز الانتماءات الفردية. وجود عاملة نظافة وعاملة مصنع وأستاذة معوضة وكاتبة محام ورجل داخل الوضعية نفسها لا يؤكّد اختلاف التجارب بقدر ما يكشف عن وحدة القلق. الأزمة هنا ليست أزمة فئة بعينها، بل أزمة إدراك تمس الجميع.

كما أنّ اللغة اليومية التي يعتمدها العرض لا تعمل بوصفها أداة للتواصل فقط، بل تتحوّل إلى جزء من البنية الفكرية للعمل. فهي تكشف عن المعنى وهو يتشكّل ويتعثّر ويتفكّك في اللحظة نفسها. ولذلك لا تبدو اللغة ناقلة لمعنى جاهز، بل فضاء تظهر داخله أزمة المعنى ذاتها.

ويأخذ هذا الاهتزاز شكله البصري أيضا عبر السينوغرافيا التي لا تقدّم المكان باعتباره إطارا ثابتا للأحداث، بل باعتباره فضاء يدخل بدوره في حالة تشكّك مستمرّة. المكان لا يمنح الطمأنينة ولا يوفّر نقطة ارتكاز مستقرّة، بل يصبح امتدادا حسيا للأزمة نفسها. وكأنّ الطبوبي تواصل هنا أحد أهم رهاناتها الجمالية: تحويل العناصر الركحية إلى أدوات تفكير لا إلى وسائل تزيين.

تبدو «الهاربات» خطوة متقدّمة داخل المشروع. فهي لا تكتفي بطرح أسئلة حول الإنسان المكسور أو المهمّش أو الخاسر، بل تذهب إلى مساءلة الشروط التي تجعل العالم مفهوما بالنسبة إلى هذا الإنسان. ولذلك ينزاح العرض عن كونه مجرّد حكاية عن الهروب ليصبح تفكيرا مسرحيا في لحظة انهيار البديهيات، وفي الكيفية التي يعيد بها الإنسان بناء علاقته بالعالم حين يفقد يقينيّاته السابقة.

الحديث عن تجربة وفاء الطبوبي لا يكتمل دون التوقّف عند رهان آخر لا يقل أهمية: الجمع بين الكتابة والإخراج.

وهو من أصعب الرهانات المسرحية على الإطلاق. فكثير من المخرجين نجحوا حين يشتغلون على نصوص الآخرين، وكثير من الكتّاب عجزوا عن تحويل نصوصهم إلى فرجة حيّة. أمّا الجمع بين المهمّتين فيحتاج إلى وعي مركّب يسمح للنص أن يفكّر بصريا وللصورة أن تفكّر دراميا في الآن نفسه.

في أعمالها لا يبدو النص سابقا للعرض ولا العرض تابعا للنص. كلاهما يصدر عن الرؤية نفسها. لذلك يشعر المتلقي أنّ مختلف العناصر تعمل داخل منظومة واحدة: الحوار، والحركة، والفضاء، والإيقاع، والإضاءة، والأداء التمثيلي.

ويظهر هذا التماسك بشكل خاصّ في اشتغالها السينوغرافي. السينوغرافيا عندها ليست زينة بصرية تضاف إلى العرض، بل جزء من عمليّة التفكير نفسها. الفراغ يصبح دلالة، والضوء يتحوّل إلى عنصر سردي، والأشياء تتجاوز وظيفتها المادية لتصبح علامات منتجة للمعنى.

غير أنّ أهمّية هذا التماسك لا تتوقّف عند حدود الإنجاز الجمالي أو الحرفي. حين تتكامل الكتابة والإخراج والسينوغرافيا داخل رؤية واحدة، يصبح من الممكن تبيّن طبيعة الأسئلة التي تحرّك المشروع نفسه. وهنا ننتقل من سؤال الكيفية إلى سؤال الرؤية: ماذا تريد هذه التجربة أن تقول عن الإنسان والعالم؟

من هذه الزاوية تحديدا تبدو بعض القراءات التي سارعت إلى وضع تجربة وفاء الطبوبي داخل خانة «المسرح النسوي» قراءات قاصرة عن الإحاطة بأفقها الكامل. صحيح أنّ المرأة تحضر بقوّة داخل أعمالها، لكن حضورها لا يأتي بوصفها موضوعا معزولا عن بقيّة الأسئلة الإنسانية، ولا باعتبارها شعارا إيديولوجيا جاهزا. بل بوّابة للحديث عن الخوف والانتظار والفقد والعزلة والرغبة في النجاة. ولهذا أيضا تبدو تجربة الطبوبي أكثر اتساعا من التصنيفات الجاهزة. إنّها تجربة تنطلق من الإنسان لا من الهوية، ومن السؤال لا من الموقف المسبق.

لقد حظيت وفاء الطبوبي خلال السنوات الأخيرة بحضور متنام داخل المشهد المسرحي التونسي، وعزّزت هذا الحضور مشاركات متعدّدة وتتويجات واعترافات نقدية مختلفة. غير أنّ قيمة التجربة – في تقديري – لا تكمن أساسا في عدد الجوائز أو في حجم الاحتفاء الذي تحظى به، بل في قدرتها على بناء أثر جمالي وفكري متراكم.

الجوائز قد تمنح الشرعية للحظة معيّنة، أما المشروع فيبني شرعيّته عبر الزمن. وما يبقى في النهاية هو قيمة الأسئلة والأبعاد الجمالية التي نجح الفنان في إضافتها إلى المجال الذي يشتغل داخله.

ولهذا أعود اليوم إلى عبارة كتبتها في خاتمة مقالي عن آخر مرّة حين قلت “إنّ مشروع المخرجة وكاتبة النص وفاء الطبوبي ينضم إلى الموجة الجديدة التي تعيد تشكيل المسرح التونسي وتعيد صياغة رؤاه للعالم وللقضايا”.

ما بدا آنذاك استشرافا نقديا أصبح اليوم أكثر وضوحا. الزمن الذي كثيرا ما يختبر رجاحة الأحكام النقدية ويهدم بعضها، جاء هذه المرّة ليمنح ذلك الانطباع الأوّل ما يكفي من المشروعية. وما ظهر مع الأرامل بوصفه وعدا فنّيا مبشّرا، ثم تأكّد مع آخر مرّة، لم يكتف مع الهاربات بتأكيد نفسه، بل دفع أسئلته إلى مستوى أكثر عمقا. المشروع هنا لا ينتقل فقط من موضوع إلى آخر، بل ينتقل من مساءلة التجارب الإنسانية إلى مساءلة الشروط التي تجعل هذه التجارب قابلة للفهم أصلا.

وربما يكون هذا – في النهاية – هو المعيار الأصدق للحكم على أي مخرج أو مخرجة: ليس عدد العروض الناجحة التي قدّمها، ولا عدد الجوائز التي حصل عليها، بل قدرته على أن يجعلنا نترقّب عمله القادم لأنّنا نؤمن أنّ لديه ما يزال يقوله. ومن هذه الزاوية بالذات، تبدو وفاء الطبوبي اليوم واحدة من الأصوات المسرحية التي تجاوزت مرحلة الوعد، ودخلت فعليا مرحلة المشروع.

* حامد محضاوي – كاتب وناقد تونسي

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية